الصَّمتُ

يناير
11

نرحب بمشاركة الأخت نور محّمد فتحي السّرايجي

ضمن زاوية: من إبداعاتكم   

لغةٌ تتكلَّمُ من غيرِ كلام …. تؤثّرُ من غيرِ أصوات …. تناجي من غير أثير…. تنادي من غيرِ ضجيج… تلجُ الأعماق…تحاكي الصّدور… تعبّر عمّا يجولُ في العيون …تصرخُ بكلِّ هدوء من غيرِ بذلِ أيِّ جهدٍ من شخوصِ الوجود… تُرى ماهي؟ أصُراخُ الأكباد أم اصطفافُ النَّبضات أم زئيرُ الأنفاس أم هديرُ سريان الدِّماء ؟؟؟

محاكاةُ أرواح …مناجاةُ قلوب…مبادلة ُنظرات… نحيبٌ بنحيب وأنينٌ بأنين وضياعٌ بضياع …نعم إنّه الصَّمت… لغةٌ إن أحكمتِ النّفاذ فلن تحكمَ الاختراق وإن استطاعت الولوج فلن تجيدَ الخروج عبادٌ توارثوهُ صنعة ً …وتبادلوه بضاعة ً…واحتسَوا كأسه خلسة ً …علّه يبثُّ كلمةً …بعيدة ًقريبة … ممتلئةً مجوفة ً…صاخبةً ًساكنة ً …ساخنة ً باردة ً… أندادٌ اتّحذوه ُ سلعة ً .. يحلّون من خلاله معضلةً أو يحجّمون مشكلة ً… أحبابٌ جعلوه واسطةً ..فأداروا فيما بينهم نظرةً .. ماإن تروحُ و تجيء حتّى تكون حرقةً …قد سبّبتْ ربّما أزمةً… صمتٌ وياله من صمت يكتنف جوانحي…يُداعبُ أفئدتي….يناجي آهاتي .يحاكي زفراتي… متخذاً الشاعر مانع سعيد العتيبة معبراً عن حقيقته :

 لا يَصْمِتُ إلاَّ مُقْتَدِرُ إِنْ حَلَّ بِسَاحَتِهِ القَدَرُ وَيهَدْهِدُ بِالبَسْمَةِ دَمْعاً مِنْ عَيْنيْ قَلْبٍ يَنْحَدِرُ يَحْمِدُ خَالِقَهُ في ثِقَةٍ مَا زَحْزَحَهُ عَنْهَا الكَدَرُ تغيبُ العباراتُ في لُججه..وتتضخّمُ المعاني أمامَ غموضه …ويغرق الرّائي بينَ طيّات أمواجِه…ويذوب الدَّاعي في سرادقاتِ هدوئه… فلا تكادُ تسمعُ إلا صمتاً…ولاتنطقُ شفتيك إلا حرفاً… مفاده أن كُفَّ …فيعتلي حرفُ الصَّاد المزيَّن تاج كلامك…ويتصدَّرُ بريق شعورك ؛ ليقول:”فقط ” أمام الكمّ الهائل من الآخر، وأن “هيَّا “مع نفسك فهي لن و لن تذهب عنك ولن تذهب عنها فأنتما معاً إلى الأبد… لكن كيف و متى و أين و …؟!

هنا تتربَّع ُ الأدوات ُ ملتحمةً مع بعضها علّها تبثُّ ضجيجَ نفسٍ قد طال خموده … وتثير شعورَ داخلٍ قد امتدَّ إحساسه…. فتنضمُّ الأجوبةُ وتتّحدُ مع بعضها البعض لتصلَ إلى مركزٍ هو المعنيُّ برسم تلك الدّائرة التي ماتنفكُّ تبدأ حتى تنتهي ،وماتنفكُّ تنتهي حتى تبدأ ….

أهازيجُ روح لاتدري ولستُ إخال أدري أستدري ؟! أصوات نفس ٍ تهذي …أنين جسدٍ يبكي… سابقاً كنت أتّخذُ الكلامَ وسيلةً للتعبير عما يجول في خاطري ؛ لبثِّ مايحرِّكُ وجداني …لتخفيفِ عبءِ صدمة قد حاكتْ ضميري … لردِّ كلمةٍ قد جرحت أشجاني …لإغلاقِ بابِ حرفٍ قد زلزلَ كياني … لكن وبعد أن علمتُ أذى سهام الكلام ،وكيف أنّه وسيلةٌ مزدوجة ُ المضرَّة تحوَّلتُ عنه إلى صنعة أقلَّ تكلفة ً …وأكثر فائدةً …وأقوى أزراً …وأشدَّ شكيمةً …وأحلى حديثاً …وأطيب ملاذاً …وأذكى رائحةً ..وأبهى حلّةً …

وحسبنا قول فاروق جويدة : تغير كل ما فينا…تغيرنا….. وأعجب من حكايتنا ..تكسر نبضها فينا… كهوف الصمت تجمعنا …دروب الخوف تلقينا صنعةٌ ما إنْ تجرّبها حتى تتمرّس بها فتتقنها وتحتسبها رصيداً لك تجده في المآزق …وتختبئ وراءه عند المحكّ …وتحوّره عند الحاجة …دون أيّ تبرير أو تزوير …هو هو لأنَّ ثلّةً من يتقن لغته …ومنْ يستوعبُ وقته …ومن يتفنَّنُ في فهمه.. فتبقى أنت أنت الآمر النّاهي ….العالم الجاهل …المتكلّم الصّامت …الثائر الهادئ …وحدك المتقن لهذا الوضع… فتؤثرُ التمسّكَ بهذه العادة ؛ لتحقّق أقلَّّ ما يمكن من خسائر ؟؟ مستحضراً قول السّباعي :” العادة تبدأ سخيفة ثم تصبح مألوفة ثم تغدو معبودة “. لكن هل نضحي بأنفسنا في سبيل غيرنا؟ قانون حياتيّ يقتضي النّجاة لأيٍّ منَّا ؛ إمَّا أنا و إمّا أنت…إمَّا نحنُ و إمَّا أنتم وربّما هم..

لكن آلصمت واحد أم مختلف من شأن لشأن؟ تطبيقاً لقولهم : كنت أحبّه في صمت وكان يرفضني في صمت ،فنطق صمتي يوماً ففضحني و قد نطق صمته يوماً فقتلني…. الصمت صمت صعد أم نزل…خرج أم دخل …ظهر أم اختفى ….فرح أم حزن … ومكنوناتكم النفسية كفيلة في فهم أبعاده فهو مترجم لعّدة لغات ؛ يملك الصلاحية لتأويل أيّ شيء برموز لا يفقهها إلا لبيب ٌ حاذقُ واع ٍ ماهر فطن …. ويساندنا قول أحلام مستغانمي : ((تعلّموا أن تميّزوا بين صمت الكباروالصمت الكبير، فصمت الكبار يقاس بوقعه، و الصمت الكبير بمدّته )).

والسؤال الذي يطرح نفسه : متى نلجأ إلى هذه اللغة ؟ أعندما تتزاحمُ الأمور أم عندما تتآزرُ الهموم أم عندما تصيحُ الكروب أم عندما عندما نصلُ إلى أوج الشّعور فنجدُ أنفسنا في قِمَّة القُمَّة …متجاهلين سببَ وجودِنا …متناسين صحوة عقولِنا …غارقين في خضمِّ إيقاع قلوبنا … متبحِّرين في سكرة تفكيرنا …منتشين خمرةَ كلمةٍ أُلصِقت في أفكارنا …مستحضرين إيماءات إنسان لطالما حُفرتْ في أفلاذنا …كاشفين ذبذبات أوردة اختلجت مع أكبادنا …ففضَحَتْ مكنوناتنا …بعد أن تحرَّكت نبضاتُنا …وبدأت تروي علينا قصَّتنا … تلك التي نحن أهمّ شخوصها …والتي كنّا محورَ حديثها …ومبدأ جوهرها …وعنصر بدايتها …ومنتهى خاتمتها …ومختصر روايتها … هم هم …ونحن أمامهم ؟؟؟ هم شيء ونحن شيء في هذا الشيء أو ربما لاشيء في هذا الشيء ذوبانُ شمعة ٍ …وانخمادُ نارٍ … وانطفاء نور…وذبول وردة ٍ …وانغلاقُ بابٍ …ألا يضطرُّنا كلُّ ذلك إلى الصَّمت ؟؟

 وفي الختام لايسعنا إلا أن نقول َ : إنّنا نحتاج لهدوء رغم أنّ ماحولنا مشبع بصمت يشبه الموت ؛ بيد أنّه ثمَّة شيء حولنا لا يهدأ … وهذه الحركة لابدَّ أن تترجم مع الأثير ؛ ليطيب لها الوصلُ مع وقع الفؤاد…لتعتلي صهوة الأفكار …لتعانق تعجّبات الأرواح …لتواجهَ شتّى ضروب الكلام … لتزيلَ عبءَ ترنيمات الصَّدى …. لتتشخَّص في قالب الورى…. فترتقيَ مع طيَّات الفضا…. لتبحرَ مع قطرات النّدى … علّها تصلُ بصاحبها إلى ما يُسمّى بالهدى …. منْ منطقٍ في غيرِ حينِه الصمت ُ أزيـنُ بالفتـى فِي القول عندي من يمينه والصدقُ أجملُ بالفتَى

الردود 4

الردود 4 على موضوع “الصَّمتُ”

  1.  ابن المدينة المنورة

    أشكر صاحبة المقال على مجهودها الجميل وعباراتها المهمة، ولكن لتسمح لي ببعض الملاحظات البسيطة لعلي أن أذكرها غدا ان شاء الله..

  2.  ابن المدينة المنورة

    وإلى صاحبة المقال-وأرجو قبول تعليقي برحابة صدر:
    أولا: أرى أن هناك تكلف في السجع وكأنني أقرأ مقامة بغدادية، وأعتقد أن هذا لا يناسب أهمية الموضوع الذي تتكلمين عنه
    ثانيا: لم تجاوبي على سؤلك المهم: متى نلجأ إلى لغة الصمت؟
    ثالثا: حبذا لو أشرت بالهامش لتعريف مبسط بالشخصيات التي اقتبست بعضا من أقوالها كفاروق جويدة وغيره، فهذا يفيد من لديه اهتمام من القراء
    مع جزيل الشكر لمجهودك القيم ولحسن اختيارك لهذا الموضوع، فما أحوجنا لتعلم لغة الصمت في زمن الكلام… جزاك الله كل خير أختي الفاضلة

  3.  نور محمد فتحي السرايجي

    السلام عليكم ورحمة الله و بركاته

    وجزيت خيراً …..
    إنني قد ارتجلت كلماتي هذه ارتجالاً، ولا أخفي عنك تقصّدي لاختيار بعض الألفاظ و نظمها في عبارات أهوى سردها عادة..وهذا أمر ليس بالسريّ…وماعرضي بهذه الطريقة إلا لأنّه قد بات طابعي الخاصّ بي في عرض جميع مواضيعي الوجدانية منها أم الاجتماعية…وأشكر رأيك وأحترمه…وأرجو أن يكون شكل كتاباتي الآتية متناسباً تماما مع جميع المضامين حتى يناسب جميع الأذواق

    وأما عن إجابتي عن سؤالي فهي قد جاءت لاحقة للسؤال مباشرة،ومع ذلك فإنني قد أطلقت العنان للجواب لأنه يندرج تحت أنواع عديدة من الصمت لم أتحدّث عنها هنا

    وأما عن عدم إشارتي للتراجم فهو لأنّ خاطرتي ليست بحلقة بحث حتى أدعمها بالحواشي…ومع ذلك فأشكر لك اهتمامك وزادك الله و زادني علما

    وجزيت خيرا مجدّدا

  4.  ابن المدينة المنورة

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته … جزاك الله كل خير أختي الكريمة …
    في انتظار المزيد من مقالاتك وبالذات الاجتماعية منها … بارك الله فيك

أضف رد