نحو نفسٍ لا تنتظر المستقبل بل تصنعه

ديسمبر
29

سهير علي أومري

غيِّر نفسك يتغيَّر واقعك,,!! قاعدة كثيراً ما كانت – وما زالت – تتردد على أسماعنا في كل مرة نعترض فيها على الواقع أو نشكو منه,,,
وهي قاعدة صحيحة في أصلها، تقوم على مبدأ الفعل ورد الفعل، فكل تغيير نحدثه في أنفسنا سيلقى صداه في واقعنا سواء أكان هذا التغيير سلبياً أم إيجابياً,,,
ولكن تأتي هذه القاعدة لتتحطم أمام شاب يقول: بعد تخرجي من الجامعة بحثت عن عمل فلم أجد,,, وبعد مدة من اليأس والاستسلام قالوا لي: غيِّر من نفسك يتغيًّر واقعك,, فقمت وعملت وغيرت من نفسي وأقبلت على الدورات لتعلم اللغات ومهارات الكمبيوتر وعلوم تطوير الذات ووو,,,إلخ ، ولكن واقعي بقي على حاله,, لم أجد عملاً,, كنت أرى فرص العمل تطير أمامي إلى غيري ممن هم أقل كفاءة مني,, لم أجد عملاً وبالتالي لم أستطع الزواج,, فصرت أتراجع,,, في كل شيء,,, لم أكن أنوي هذا التراجع ولكن واقعي لم يسمح لي أن أكون أفضل,,,!!!
وليس هذا الشاب الذي تبدو أمامه قاعدة: “غيِّر نفسك يتغيَّر واقعك” غير صحيحة، بل حتى أمام رجل لم يستسلم للكسل والخمول بل قام ليعمل ويجتهد في وظيفته الصباحية، وفي عمله بعد الظهر، وحتى في عمله المسائي، ولكن مع كل هذا العمل والتعب لم يحصل على واقع يكفيه مؤونة الحاجة أو يحترم إنسانيته,,, وهو يرى حقوقه تذهب إلى غيره، وإنسانيته تهدر عند أول مرض يصيبه أو ضائقة تحل به، فما زال فقيراً وما زال محتاجاً وما زال واقعه مزرياً,,,,!!
مع هذه الأمثلة وغيرها نستطيع أن نقول: إن أحد الأمرين صحيح:

إما أن قاعدة ” غيِّر نفسك يتغيَّر واقعك” غير دقيقة وغير صائبة
أو أن فهمنا لها كان مشوشاً وغير صحيح,,,
والجواب: هو أن فهمنا –نحن- الذي كان غير صحيح,,, فتغيير النفس المقصود هنا ليس أيَّ تغيير!! إنه تغيير النفس الذي من شأنه أن يغيِّر الواقع,,, إنه تدريب النفس وتعويدها لتتحلى بصفاتٍ تغيِّرُ الواقع,,,
فليست الصفات المقصودة هنا هي: العمل والجد والمثابرة والاجتهاد المرافقة للصبر على الظلم والرضا بالذل والقناعة بطغيان الباطل!!! بل إن صفات العمل والجد والعمل والمثابرة على هذه الحال تكون عوامل مساعدة في بقاء الواقع على ما هو عليه أو الإمعان في سوئه وتأخره,,,
تغيير النفس لا يرافقه تغيير الواقع ما لم يكن تغييراً يؤهلها لأن تغيِّرَ هــــــي الواقع,,, وذلك عندما ندربها على التحلي بصفات تسهم في جعل الواقع أفضل، وهذه الصفات هي:
الشجاعة في قول الحق، عدم السكوت على الباطل، عدم قبول الظلم، ترك اللامبالاة، عدم الرضا بالذل، الحفاظ على كرامة النفس وعدم السماح بإهانتها أو هضم حقها أو حق غيرها من المستضعفين، تحمُّل المسؤولية تجاه تصحيح كل خطأ والمطالبة بمحاسبة المخطئين من الساسة والمسؤولين
هذه الصفات التي إن تحلى بها الفرد كانت سبباً في تغيير واقعه إلى الأفضل,,, وأي تغيير سواها سيبدو كمن يزيح الدخان تاركاً خلفه ناراً مشتعلة
وصدق القائل:
لا تقطعن ذنب الأفعى وترسلها,,,,,,,,, إن كنت شهماً فأتبع رأسها الذنبا
فأيُّ جهدٍ تتحلى به النفس سيثمر في واقعٍ تركَ فيه أفراده مواجهة الظلم وقول الحق!!
وأيُّ عملٍ وتعب سيؤهل صاحبه للتفوق في بيئة يعشش فيها الظلم، وتعلو فيها راية الطغيان، ويكون فيها معيار التفاضل بين الناس بحسب قربه من الطاغية أو بقدر ما يعزِّز أسباب الفساد؟!!
وقفةٌ لا بد منها ونحن على أبواب مجتمع جديد وسوريا جديدة,,,
وقفة تؤسس لبناء إنسان جديد من شأنه أن يغيِّر من نفسه تغييراً يجعله فاعلاً في الحياة مؤثراً فيها يضع بصماته في كل زاوية منها حتى لا تكون الحياة بعده كما كانت قبله!! إنسانٌ جديد تكون نفسه أداةً من أدوات صناعة الواقع الأفضل والمستقبل الأفضل…

خاص بموقع مختارات من الثورة السورية

http://syrianchange.com/2012/12/28/%D9%86%D8%AD%D9%88-%D9%86%D9%81%D8%B3%D9%8D-%D9%84%D8%A7-%D8%AA%D9%86%D8%AA%D8%B8%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%AA%D9%82%D8%A8%D9%84-%D8%A8%D9%84-%D8%AA%D8%B5%D9%86%D8%B9%D9%87-%D8%A8%D9%82/


رد واحد

رد واحد على موضوع “نحو نفسٍ لا تنتظر المستقبل بل تصنعه”

  1.  ابن المدينة المنورة

    جميل جدا وأشكرك ،، ولكن مما يضحك ويبكي أنه بالأمس استمعت إلى إحدى القنوات المعروفة بتأييدها للقتل وتصفق للمجازر وترفع من شأن (الطائفة الكريمة) وتسب أمهاتنا وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ،، هذه القناة استضافت أحد المحللين فكان يتكلم بهذه الشعارات :
    الشجاعة في قول الحق، عدم السكوت على الباطل، عدم قبول الظلم، ترك اللامبالاة، عدم الرضا بالذل، الحفاظ على كرامة النفس وعدم السماح بإهانتها ،،،
    فالشاهد أستاذتنا الفاضلة أنه قبل الشجاعة يجب معرفة الحق ،،
    وقبل ترك السكوت يجب معرفة الباطل وما هو الظلم وما هو الذل وما هي الكرامة ،، لماذا؟؟؟
    لأن فرعون الطاغية المجرم كان يتكلم بمثل بهذه الشعارات: (إني أخاف أن يبدل دينكم أو ان يظهر في الأرض الفساد) ،،
    فمثلا ،، أغلب الناس في 2006 خدعوا في حسن نصر الله حتى المثقفين لأنه كان خطيبا مفوها (وإن كانت لديه بعض اللدغات قاتله الله)،،
    ————-
    وبالنسبة للجزء الأول من المقال فلا ننسى أيضا ما قاله أحد الصالحين – لا أذكر اسمه- : إني لأعصي الله فأجد ذلك في خلق زوجتي ودابتي ،،،،،، كثير من الكفار في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يمنعون من الظلم ويحثون على مكارم الاخلاق ،، فأعتقد أنه لا يصح فصل الامور عن بعضها والله أعلم وشكرا

أضف رد