العجز متاهة نعيد به سيرة قابيل

ديسمبر
29



سهير أومري | أوكسجين

العدد (90) السنة الثانية – الجمعة 27/12/2013

عندما ارتكب قابيل أول جريمة في الأرض فقتل أخاه هابيل ظلماً وباطلاً لم يعرف ماذا يفعل بجثته فحملها وأخذ يطوف بها هنا وهناك حتى تغيرت رائحتها وصارت الطيور تتبعه تنتظر أن يدعها لتأكل منها، فأرسل الله غرابان فقتل أحدهما الآخر، فقام الغراب القاتل فحفر الأرض بمنقاره، ثم ألقى المقتول ودفنه واراه في التراب، عندها قال قابيل:
(قال يا ويلتا أعجَـــــزْتُ أن أكون مثل هَذا الغراب فأواري سَوْءَةَ أخي فأصبح من النَّادمين) (31 ) المائدة،

العجز متاهة نعيد به سيرة قابيل

ثم قام فدفن أخاه وواراه التراب.
في هذه القصة التي قصها الله علينا نرى أن قابيل لم يلم نفسه على العجز إلا لعجزه عن دفن أخيه..
لم يَلُم نفسه على العجز عن استيعاب الخلاف بينه وبين أخيه
لم يلم نفسه على العجز عن تهذيب نفسه وصدّ شهواتها وأهوائها فاستأثر بالتي أراد قابيل الزواج منها
لم يلم نفسه على عجزه عن ترك البخل والجشع، فكان قربانه إلى ربه حزمة من زرع رديء فتقبّل الله قربان أخيه ولم يتقبل منه قربانه
لم يلم نفسه على عجزه عن كظم غيظه وغضبه ولجم حقده وحسده فطوعت له نفسه قتل أخيه
لم يلم نفسه على العجز في شيء من هذا بل لام نفسه على عجزه عن دفن جثة أخيه فحسب، قصة قديمة متجددة نراها اليوم من حولنا عندما نلوم أنفسنا لعجزنا عن تحقيق النصر دن أن نلتفت للبحث عن أسباب امتناع النصر الكامنة فيما نحن فيه من الخلاف، والنزاع، والشقاق، والتخوين، والتكفير، والفرقة، واستمراء الذنوب، وتسويغ المعاصي، وترك مدّ يد العون للمحتاجين، وإغاثة الملهوفين والمصابين والمشردين
فإذا بنا نركن في زاوية ضيقة نشكو فيها عجزنا وضعفنا، ونرفع أيدينا بالدعاء لربنا بأن ينصرنا معتقدين أننا بالدعاء وحده يُنزِل الله النصر علينا ناسين أو متناسين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم كانت غزوة بدر وقضى ليلتها يدعو ربه بالنصر لم يكن ذلك في بيته في المدينة وهو نائم متدثر بغطائه، بل كان ذلك على خط الجبهة، بعد أن خرج للقاء العدو متخذاً كل أسباب النصر
ناسين أو متناسين أن سيدنا عمر عندما رأى الرجل الذي يدعو ربه في المسجد ليبرأ بعيره من الجرب لم يلقِّنه صيغةً أجدى للدعاء، كما لم يطلب منه عدداً معيناً لتكرار الدعاء، بل لامه لأنه لم يتخذ مع الدعاء قطراناً يداوي به بعيره.
ناسين أو متناسين أن لوم أنفسنا على العجز عن تحقيق النصر لن يزيدنا إلا بعداً عن النصر إن لم نلم أنفسنا عن عجزنا عن اتخاذ أسباب النصر…
فما منا إلا له وُسع بإمكانه أن ينقذ به نفساً، أو يرفع به حجراً، أو يقطع به دابر فرقة، أو ينصر به حقاً، أو ينصر به مظلوماً، أو يجود به من ماله ونفسه ووقته، أو يحجم به عن معصية فيكون ذلك سبباً في نزول الرحمات واستجابة الدعاء.
العجز داء خطير إن استولى على العقل كبّل الجوارح، وعطّل قدرتها على النفع الذي بلا شك كلنا نقدر عليه، لذلك جاء في الدعاء المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم إنا نعوذ بك من العجز والكسل…)
ولا ننسى قول الشاعر:

وإذا لم يكن من الموت بدٌّ  ………. فمن العجز أن تموت جبانا

رد واحد

رد واحد على موضوع “العجز متاهة نعيد به سيرة قابيل”

  1.  ابن المدينة المنورة

    تحليل قرآني جميل ،، وأسلوب أجمل ،، جزاك الله كل خير ،، وللتنويه فقط (فأرسل الله غرابين) وليس (غرابان) ،، وشكرا جزيلا لك

أضف رد