مستقبل سوريا غائم جزئياً

مارس
28

سهير أومري | أوكسجين
أوكسجين العدد 99 السنة الثالثة – الجمعة 28-02-2014
طالعتنا منذ أيام صورة مؤلمة لطفل سوري يدخل وحيداً الحدود الأردنية قاطعاً مسافة طويلة حاملاً بيده كيساً وحوله مجموعة من وحدات الإغاثة التابعة للأمم المتحدة تستطلع حاله…
ربما كانت الصورة غير كاملة ولا تصور الحالة التي قدم بها الطفل حقيقةً، ولكن ما هو دقيق وحقيقي أن مئات الألوف من الأطفال السوريين دفعوا ثمناً باهظاً لحرية طلبناها ولمّا نبلغْها، فآخر إحصائية تم توثيقها وفق قاعدة بيانات الثورة السورية للشهداء الأطفال حتى تاريخ 19/2/2014 كانت 10338 طفلاً وطفلة دون سن الـ 16 عاماً، وبلغ عدد اللاجئين في الداخل 6 ملايين وفي الخارج مليونين ونصف أكثر من نصفهم أطفال.. هذا عدا عن آلاف الأطفال المصابين والمعتقلين والمتضررين بإعاقات دائمة وأزمات نفسية ، وبحسب تقرير للأمم المتحدة 2013 فإن واحداً من بين كل 10 أطفال سوريين يتلقون تعليمهم في ظل الظروف الراهنة
الأمر الذي يضعنا أمام صورة خطيرة لمستقبل قادم ينتظرنا حتى بعد زوال الأسد ورحيل نظامه، مستقبل أقل أخطاره الدمار الذي افترش أرضنا على امتدادها، فدمار البنيان تبنيه السواعد القوية، أما دمار النفوس التي لا ترقبها عدسات الكاميرات فلا تصلحها إلا نفوس ذات همم لم تفتر وفكر لم يتلوث، وذمم لم تُبع وتُشترَ، نفوس بقيت رغم كل ما مر بها ذات بوصلة متوجهة نحو مصلحة سوريا وأهلها.
وإن مسؤولية رعاية أطفالنا الجسدية والنفسية مسؤولية عظيمة نحملها– وحدنا – في ضوء واقع أدركنا جميعاً تخلي الجميع عنا.
ويجدر بنا هنا أن نتذكر ما قام به كل من المجتمع الياباني والألماني أثناء الحرب وبعدها لبناء بلدهم ورعاية أطفالهم…
ففي ألمانيا لم تنتهِ الحرب حتى تركت خلفها دماراً هائلاً طال الحجر والبشر مع 10 ملايين قتيل، ودمار تام للبنية التحتية، ونساء أغلبهن تعرضن للاغتصاب حتى انتشرت في البداية بينهن فكرة الانتحار، ثم تلتها فكرة النهوض من القاع بقيادة النساء والشيوخ، فبدؤوا بجمع الأنقاض لإعادة بناء البيوت، كما تم جمع الأوراق والكتب من تحت الأنقاض لفتح المدارس وتعليم الأطفال، ثم كتبوا على بقايا الجُدران المحطمة شعارات تبثُّ الأمل وتحثُ على العمل مثل:
(لا تنتظر حقك.. افعل ما تستطيع ) ، ( ازرع الأمل قبل القمح)
وكذلك الأمر بالنسبة لليابان فقد بدأ التعليم بعد الحرب وسط الأنقاض وعلى أطلال المدارس المهدمة، وقامت النساء لرعاية الأيتام وحضانتهم بكثير من العطاء النفسي والمعنوي، لإيمانهم المطلق أن الاهتمام بالأطفال هو حجر الأساس لبناء اليابان، ويوضح السفير الأميريكي «إدوين أشاور» مدى وعي الشعب الياباني وحمله لمسؤولية بلده في كتابه «اليابانيون» فيقول: إن سر نهوض اليابان شيئان اثنان، هما: إرادة الانتقام من التاريخ، وبناء الإنسان، فقد أرادت اليابان الانتقام لأمة هُزمت وأُهينت، فكان ردها بهذا النهوض العظيم، أما بناء الإنسان فكرّسه نظام التعليم والثقافة الموجه خصوصاً للأطفال.
واليوم يجدر بنا أن نحمل مسؤولية رعاية أطفالنا سواء الذين في الداخل أو المشردين في المخيمات، بجهود جماعية تطوعية ربما كان السوريون المغتربون هم الأقدر على تمويلها والتخطيط لها، فكلّ سوري ترك سوريا مسافراً لا لاجئاً بإمكانه أن يشارك في حملات رعاية الأطفال ودعمهم كل بحسب قدرته سواء من تطوّع بجهده للتوجه إلى المخيمات، والعمل على رعاية الأطفال هناك تعليمياً ونفسياً وصحياً، أو بماله، أو بالدراسة والتخطيط والإفادة من تجارب الدول الأخرى أو بكسب الداعمين من مؤسسات وهيئات المجتمع المدني في الدول التي تفرقوا فيها، بعد قيامهم بواجبهم الإعلامي في التعريف بما يجري على أرضنا.
فإن كنا قد خرجنا للحرية والعدالة والكرامة فعلينا أن ندرك أن هذه القيم لن يكون لها معنى ما لم يتوفر لمستقبل سوريا جيل معافى يشكّل تربة خصبة تزهر فيها الحرية وتثمر.
Soher Omari

لا يوجد ردود

أضف رد