ربما ليس جيل “صلاح الدين” هو الحل..

مايو
12

ربما ليس جيل “صلاح الدين” هو الحل..

د.أحمد خيري العمري- القدس العربي

بعض الزعامات التاريخية تتحول مع الوقت لتصير بمنزلة “أيقونة” تمارس دوراً عاطفياً في إلهاب مشاعر الجماهير، خاصة عندما ترتبط هذه الزعامات بنصر تاريخي تفتقده الجماهير وتتوق للحصول على ما يماثله في حاضرها..

هذه “الايقونة ” توظف شخصية الزعيم المعني خارج سياقها التاريخي تماما، بل خارج أي سياق إنساني أحيانا، بطريقة تمجد الصفات الشخصية للفرد وتجعله فرداً خارقاً “سوبرمان” عجزت الأمهات عن ولادة مثله (أو تربية مثله).. و قد يحدث أحيانا أن الجيل- الذي ينتمي له الفرد- سيوظف بأكمله داخل سياق تاريخي – شخصي حيث سيعتبر أن الفرد هنا جزء من “جيل” كامل، وجد ظروفاً معينة لتنشئته، مما رفع مستوى الجيل ككل وأنتج ذلك الفرد – البطل..

ورغم أن المقاربة الأخيرة قد تبدو أكثر واقعية، إلا أن تطويبها نحو المطلق، وجعل ظروف تنشئتها صالحة لمشاكل أجيال جاءت بعد ألف سنة، يجعل من هذه المقاربة لا تقل إشكالية عن المقاربة الأولى، ففي الأولى يتحول الفرد إلى رجل خارق لا يتوقع استنساخه إطلاقا ، وفي الثانية، يتحول الجيل ومنظريه ومفكريه إلى “الحل” الذي يجب التواصل معه – باعتبار أنه أنتج ذلك البطل..

ولعل صلاح الدين الأيوبي هو من أهم هذه الشخصيات الزعامية التي تركت تأثيراً على وجدان الجماهير، وتركت أيضاً “عقدة” واضحة عند بعض الزعماء العرب المعاصرين الذين حاولوا (أو على الأقل تظاهروا أنهم حاولوا) استلهام النموذج الأيوبي.. وانتهت محاولاتهم، ليس بالفشل في تحقيق انتصار بحجم انتصار صلاح الدين فحسب ، بل انتهوا إلى جر بلدانهم وشعوبهم إلى المزيد من الهزائم والخيبات والويلات…

بكل الأحوال، فإن استلهام و استثمار النموذج الأيوبي تحديداً، سواء كفرد، أو كجيل، كان أمراً مغرياً دوماً من قبل المؤسسات السياسية والدينية والثقافية ، ويعود ذلك “الاستثمار” إلى عوامل تجعل من الوضع الذي (غيّره) صلاح الدين شبيهاً بالوضع الذي نعيشه اليوم وبالتالي سيبدو (الترياق) الأيوبي هو الأنسب لوضعنا الحالي…

أول هذه العوامل واقع التفتت والتجزئة الذي كان سائداً قبل صلاح الدين، وهو واقع يشبه إلى حد كبير واقعنا المعاصر، كانت الدولة الإسلامية قد تفتت إلى دويلات وإمارات صغيرة بعد ضعف الخلافة العباسية ، وكانت هذه الدويلات متناحرة ومتحاربة فيما بينها رغم وجود مظاهر شكلية لولاء مشترك للسلطان (السلجوقي في تلك الفترة) و الدعاء له على المنابر، وكان أمراء هذه الدويلات كثيراً ما يتحالفون مع الأعداء ضد بعضهم البعض ، رغم ان بعضهم كان ابناء عمومة.

ثاني هذه العوامل أن (العدو ) – (الآخر) في النموذج الأيوبي كان الفرنجة، (وهو الاسم الذي كان المسلمون يسمون به ما عرف لاحقاً بالحملة الصليبية)، وكان الفرنجة هنا يمثلون “احتلالاً” أجنبياً، يشبه في نواح عديدة، ليس أقلها الدين ولا الانتماء القارّي، الاستعمار الغربي الذي واجهته شعوبنا في العصر الحديث.

أما ثالث هذه العوامل وأكثرها حساسية وتأثيراً في الوجدان المسلم فترتبط بالقدس، التي تحتل مكانة مقدسة لا مثيل لها بين المدن الإسلامية، بعد مكة والمدينة طبعاً، فهي اولى القبلتين، وهي مسرى النبي عليه الصلاة والسلام، وهي التي تضم مسجد الأقصى الذي الصلاة فيه تعدل خمسمائة صلاة في غيره من المساجد.. إلخ وكل هذا يجعل لها أمراً جارحاً للكرامة والوجدان المسلمين..

هذه العوامل المشتركة الثلاثة (التجزئة، الآخر الغربي- الفرنجة، واحتلال القدس) جعلت من الأوضاع التي تمرد عليها صلاح الدين شديدة الشبه بأوضاعنا المعاصرة، وجعلت من نجاحه (في تحرير القدس على الأقل) وهزيمته لجيوش الصليبيين، نموذجاً يجب أن يحتذى للوصول إلى انتصارات مماثلة. وهكذا، تم استثمار النموذج الأيوبي (الكردي أساساً!) لصالح فكرة القومية العربية إبان مدها في فترة الخمسينيات والستينات من القرن الماضي، وتم استثمار صلاح الدين في الشعارات والأناشيد والخطب، وتم صنع فيلم سينمائي بإنتاج ضخم عن حياته بإيحاءات واضحة تربط بينه وبين زعيم عربي كان في أوج مجده آنذاك، وطبعاً تم وضع على لسانه عبارات طارت من أوائل القرن العشرين الميلادي ومن لسان سعد زغلول، لتحط على لسان صلاح الدين الأيوبي رغماً عن كل السياقات التاريخية لفكرة و مفهوم المواطنة.

وهكذا أيضاً، وكتجسيد للحلم بإنجازات صلاح الدين وانتصاراته (الوحدوية) فقد اتخذت أكثر من دولة عربية رمز الدولة الأيوبية (العُقاب) الذي عرَّف خطأ أنه النسر، والذي صار الشعار الجمهوري المعروف كرمز لأكثر من دولة عربية إلى يومنا هذا..

انكسار التيار القومي لاحقاً، وبعد فترة وجيزة جداً من أوج مده، لم يؤدِّ إلى استبعاد النموذج الأيوبي على الإطلاق، لأن التيار الإسلامي الذي انتشر وساد عقب انكسار التيار القومي وجد أنه أحق بصلاح الدين من أولئك العلمانيين، فصلاح الدين كان كردياً بعد كل شيء، دولته بنيت على الإسلام، وليس على العرق أو القومية.. وإذا كان هناك من يحق له استثماره، فالإسلاميون أولى بذلك، خاصة وأن انهيار التيار القومي وصعود التيار الإسلامي تزامن مع ضياع كامل للقدس، ولمسجد قبة الصخرة خصوصاً، بعد هزيمة 1967 م..

وهكذا تم استلهام تجربة صلاح الدين من جديد، واستثمارها لصالح إيقاد مشاعر الحماس والثقة بالنصر..

مما لا ينكر هنا ، أن التيار الإسلامي كان أكثر موضوعية في استلهامه للتجربة الأيوبية، ليسَ فقط لاتساقه مع تاريخية التجربة وشعاراتها الأصلية، بل لأن التيار القومي، في خضم انشغاله بتمجيد زعمائه، ركّز على صلاح الدين الفرد، ربما كتبرير وتفسير لتصنيم الزعيم الفرد”المعاصر”.. أما التيار الإسلامي، و على الاقل في واحدة من أهم الأدبيات التي تحدثت عن الأمر وأكثرها رواجاً، فقد تجاوز مسألة صلاح الدين كفرد – وركز على جيل صلاح الدين، أي على القيم التربوية والعقائدية التي تربّى عليها الجيل الذي أنتج صلاح الدين، والذي تمكن صلاح الدين من قيادته نحو الانتصار.

والانتقال من صلاح الدين – الفرد – إلى صلاح الدين الجيل، نقطة تحسب حتماً للتيار الإسلامي، رغم أن التنظير لذلك أبدل الزعيم الفرد، بالمفكر الفرد (الإمام الغزالي في هذه الحالة) باعتبار أنه الذي أنتج المدرسة الإصلاحية التي تربّى عليها هذا الجيل، ورغم إشكالية الوقوع في الفرد مجدداً، إلا أنه لا شك أن المفكر الفرد، أفضل بكثير من الزعيم الفرد مهما كانت مآخذنا على الفكر وعلى المفكر..

و شخصياً لا يمكنني أن أتجاوز بعض الملاحظات الأساسية على الأمر، منها عدم وجود دليل واضح على الربط بين ما أنتجه الغزالي (على أهميته من جهة تنوعه خاصة) وبين ما فعله جيل صلاح الدين، ومنها أيضاً أن نتاج الغزالي كان يحتوي ضمناً على “مثبطات” سلبية لا يمكن تجاوزها، ولا يمكن تجاوز آثارها السلبية أيضاً على المجتمع فيما لو اتيح لها التأثير الواسع ، و هو الامر الذي يتعارض مع فكرة “الاصلاح الغزالي” الذي تبنته الدراسة الرائجة ، ومنها أيضاً أن الترويج لهذا الآن يبدو ترويجاً لمنظومة أشعرية العقيدة شافعية المذهب و لست واثقاً أن هذه المنظومة يمكن لها أن تكون فعالة اليوم كما كانت في السابق. كما إن التركيز على نجاحات الانتصار العسكري و تحرير القدس يجعلنا نغفل عن بعض اخفاقات التجربة و الذي تمثل في سرعة تفتت الدولة الايوبية على أيدي أبناء صلاح الدين مباشرة..

لكن تحفظي الأساسي أسبق من ذلك كله، تحفظي الأهم يستوجب إعادة النظر في كون أوضاعنا المعاصرة تشبه الأوضاع إبان وقبل صلاح الدين الأيوبي..و هو الامر الذي عدّه التيار الاساسي مسلمة لا جدال فيها .. وهذا الأمر، يؤدي طبعاً، إلى إعادة النظر في مسألة استلهام النموذج الأيوبي ككل.

ما أقصده هنا، هو أن أمراضنا الحالية قد تشبه في بعض أعراضها الأمراض التي كان النموذج الأيوبي علاجاً لها، لكن أمراضاً كثيرة قد تتشابه في أعراضها دون أن يجعل ذلك منها مرضاً واحداً.. وإذا كان التشخيص خاطئاً، فإن الترياق الأيوبي، الذي نجح في سياقه، لن يعود ناجحاً ولا ناجعاً الآن، وهذا قد يفسر جزئياً على الأقل، السبب في الفشل المزمن الذي حاق بكل من حاول استلهام النموذج الأيوبي في الوقت الحاضر.

والحقيقة أن الأعراض وإن تشابهت إلا أنها في حقيقتها تملك جذوراً مختلفة، جذوراً ربما تحتاج منجلاً آخر غير منجل التجربة الأيوبية لكي تستؤصل وتجتث.

فواقع التجزئة والتفتت إلى دويلات، وإن بدا مماثلاً للوهلة الأولى، إلا أن جذوره مختلفة تماماً، فالتجزئة آنذاك كانت واقعاً سياسياً ناتجة عن هرم وضعف الدولة العباسية في مرحلتها تلك، كانت الدولة قد مرت بمراحل نشوئها وازدهارها، ولم تستطع أن تؤخر تدهورها وانهيارها أكثر من ذلك، وكان التفتت وتعدد السلطات السياسية، مظهراً من مظاهر ذلك الضعف.. رغم ذلك، فإن التجربة لم تكن قد كرست بعد، ولم تتعد المظهر السياسي، وكان حتى هذا المظهر السياسي يحتوي على مظاهر لا تخلو من مغزى، مثل الدعاء للسلطان، أو للخليفة، حتى وإن كان ذلك مجرد شكليات، إلا أنها صبت عموماً في داخل ذلك الشعور العام للمسلمين أن دولتهم دولة واحدة، وأنها كلها “دار إسلام”…

تجزئتنا اليوم من نوع مختلف جداً، وإذا كان لا بد من تشبيه، فهي لا تشبه أبداً تفتت الدولة الضعيفة من بعد قوة وازدهار، بل لعلها تشبه إلى حد كبير التفرق الأساسي الذي يسبق الوحدة والاتحاد، أي يشبه وضع القبائل العربية الممزقة في الجاهلية، قبل أن يوحدهم الإسلام..

التجزئة اليوم لم تعد مجرد مظهراً سياسياً، لقد صارت واقعاً ثقافياً واجتماعياً لن ينفيه التعاطف الذي يستفز عند المحن هنا وهناك، لقد كانت الحدود ابتداءً مجرد خطوط رسمها الاستعمار، لكن ظروفاً أخرى حفرتها وعمّقتها وحولتها إلى واقع لا يمكن تجاوزه عبر الشعارات، هناك التباين الشاسع بين معدلات الدخل الذي جعل من بعض الدول الغنية بمنزلة (أولاد الست) وأخرى بمنزلة (أولاد الجارية) – وهناك طبعاً طرق مختلفة للتنمية والتعليم جعلت من أبناء شعوب متجاورة ينشئون بطرق متعاكسة، ويصيرون مختلفين باختصار، صحيح أن هناك أشياء مشتركة لا يمكن حذفها مهما حدث، لكنها أشياء لا تجعل منا واحداً، بل تجعلنا نملك أشياء مشتركة، فحسب!..

ولقد أبلى المنادون بالوحدة ما غيرهم، وقبل غيرهم، في جعل الوحدة أمراً شبه مستحيل عبر مغالاتهم في العداء لبعضهم ولغيرهم في الوقت نفسه.. وهكذا تحولنا أحياناً، بسبب من تلك السياسات ونتائجها – من شعب واحد الى عدة شعوب متجاورة، إلى شعوب متناحرة.. فليس صحيحاً تماما ما كنا نقوله سابقاً من أن العداء هو عداء أنظمة فقط، لقد صارت هناك نزعة قطرية عند الشعوب أيضاً، وأمعنت وسائل الإعلام في تكريسها وتحريشها عند الأزمات..

أي حديث عن النموذج الأيوبي غالبا ما يتجاوز هذه الحقائق التي تراكمت وتفاعلت، الوحدة في النموذج الأيوبي ضمن سياقه التاريخي كانت تأسيساً على ما سبق، كانت امتداداً لما كان موجوداً أصلاً وإن تعرض لثغرات وهنات.. وكان وجود قيادة سياسية طموحة وقوية مثل قيادة صلاح الدين كفيلة بإرجاعها إلى ما كانت عليه..

أما اليوم، ومع كل ما تكرس فإن الوحدة يجب أن تتأسس من جديد، تبدء من نقطة جديدة،مستندة إلى “مشترك” بدأ يقل يوماً بعد آخر.. وهو أمر لا يمكن لأي قيادة سياسية أن تفعله وحدها، لأنه لا يدخل في إمكاناتها، وإنما يدخل في البنية التحتية الثقافية والاجتماعية..

الأمر الثاني الذي له أهمية قصوى هنا هو أن (الآخر) في الحالتين، رغم أن لون بشرته بقي نفسه ، إلا أن كل شيء عدا ذلك قد تغير كثيراً، كان الفرنجة أيام النموذج الأيوبي، يمثلون أوربة قبل أن تمر بنهضتها وتنويرها، كانوا لا يزالون في عصورهم المظلمة، في قرونهم الوسطى، كانوا لا يزالون ممالك متفرقة ومتناحرة، تمكنت دعوة البابا من أجل إنقاذ قبر المسيح من أيدي “الكفار” من تجميعهم وتنفيذ تلك الحملات الصليبية التي تختلف كثيراً – في جوهرها – عن الحملات الاستعمارية لاحقا ، فقد كان الفرنجة آنذاك في درجات متدنية من السلم الحضاري مقارنة بالمسلمين الذين كانوا في اعلاه ، صحيح ان ضعف الدولة الاسلامية و تفرق المسلمين أغرى الفرنجة على الغزو لكن ذلك حدث مرارا و تكرارا مع أقوام مختلفين تمكنوا من إحداث خرق هنا و هناك ثم ما لبثوا ان هزموا أو ذابوا في المحيط المسلم الاكثر تحضرا ..

بعبارة اخرى أي مقارنة على كافة الاصعدة الحضارية كانت ستكون لصالح المسلمين، صحيح إن حضارتهم كانت قد شاخت و أصابها ما يصيب الحضارات من تدهور و إنحلال إلا ان تراكم الخبرة الحضارية كان يجعلهم في وضع أفضل بالمقارنة ، خاصة عند توافر القيادة السياسية التي تستثمر تراكم الخبرة هذا..كما ان مفهوم “العدة و الاسلحة” في تلك الفترة لم يكن يشبه مفهومها اليوم و اسلحة الطرفين لم تكن تختلف كثيرا إن لم تكن لصالح المسلمين.

أما “الآخر” اليوم ، و منذ ان جاءنا منذ حوالي قرنين فقد اختلف كثيرا و لم يبق فيه مالم يتغير سوى لون بشرته ، لقد إختزن اللحظة الصليبية في لاوعيه لكنه اضاف الى ذلك نهضته و تنويره و قيما أخرى كثيرة قد نختلف قي تقييم منطلقاتها و أهدافها لكن قد لا نختلف أن هذا الاخر قد تمكن من تحقيق هذه الاهداف و انجز خلال ذلك ما لا ينكر على اصعدة مختلفة ، المهم ان هذا الآخر قد خرج بنجاح من عصوره الوسطى المظلمة و انجز قطيعة شبه تامة معها نحو عصر تنويره..

أما نحن فقد أنجزنا قطيعتنا مع عصور إزدهارنا و نهضتنا وولجنا في قرون وسطى لن يكون من المبالغة القول انها لا تزال مستمرة حتى ألان.. كان الفرنجة يشعرون بالنقص تجاه المسلمين رغم انهم عدوهم كفارا و أعملوا فيهم السيف و الذبح و لعل الادبيات الغربية التي اشادت بفروسية و نبل صلاح الدين كانت جزءا من الانبهار بالاكثر تحضرا.. لكن عودتهم الثانية كانت بمقاييس مختلفة : نظرتهم لنا صارت فوقية ، بينما الانبهار صار من نصيبنا و عقدة النقص سكنتنا نحن ، الآخر الذي رفس بقدمه قبر صلاح الدين و قال “ها قد عدنا يا صلاح الدين” كان قد عاد مدججا ليس بأسلحته فحسب ، بل بنهضته و تنويره التي انتجت تفكيره الجديد بالاضافة الى تلك الاسلحة..

بسبب من كل ذلك لا يمكن إعتبار سقوط القدس في الحالتين متشابها ، سقوط القدس الاول كان نتيجة لضعف سياسي و شيخوخة دولة ، اماالسقوط المعاصر فهو نتيجة حتمية لمسلسل انهيار حضاري وثقافي طويل، وسقوط القدس يمثل كل تخلفنا أمام كل حضاراتهم، فإسرائيل في النتيجة النهائية هي جزء من الحضارة الغربية بقيمها ومنطلقاتها، وإن امتلكت خصوصيات أخرى…

الطريق إلى القدس اليوم إذن، ليس على الإطلاق هو نفسه الطريق إلى القدس يوم حطين.. إنه لا يمر بالإصلاح السياسي ولا حتى بالمنظومة القيمية نفسها التي ساعدت في هذا الإصلاح، الأمر صار أعقد الآن، الطريق إلى القدس يجب أن يمر بكل ما هو نحن، بإعادة نظر شاملة في كل ما تراكم حتى الآن ، في إعادة بناء الذات على أسس هي نفسها الأسس التي حققت الفتح العمري للقدس، وليس التحرير الأيوبي لها.. فالنموذج العمري هنا يمثل ما يجب أن نستلهمه، إنه نموذج النهضة الشاملة التي حققها ذلك الجيل، النهضة التي حققت قطيعة مع ما سواها وأنجزت منطلقاتها وأهدافها..النهضة التي هي أكبر بكثير من مجرد نصر عسكري أو تنمية اقتصادية ..

ليس الإصلاح إذن على طريقة صلاح الدين (الناجحة بالتأكيد في سياقها)، لأن سياقنا الآن تجاوز تماماً إمكانية الإصلاح من هذا النوع، صار آيلاً للسقوط بطريقة لا يجدي فيها الترميم الذي يقترحه الترياق الايوبي..

إنها النهضة إذن، النهضة المستمدة من تلك القيم القرآنية التي شكلت ذلك الجيل الأول الذي أنتج ضمن ما أنتج رجالاً أمثال عمر، وأبو عبيدة، وسعد.. النهضة التي تحتاج منا ان نفهم كيف تفاعل ذلك الجيل مع القرآن و قيمه و انجز قطيعته الحاسمة مع مفاهيم الجاهلية و دخل عصر نهضته و تنويره..نحتاج الآن، في مفترق طرقنا الحاسم اليوم، أن نبحث عما يمكن أن نقول عنه: هكذا ظهر جيل “الفتح”.. هكذا ظهر جيل عمر..

لا يوجد ردود

أضف رد