“لوسي” ترقص عارية فوق الغيوم

يونيو
11

بقلم: ياسر خير الله
لم تفاجئني جملة كتبتها “لوسي” تحت معرّفها في الـ “فيس بوك”حالما استيقظَتْ في الصباح الباكر ليقرأها أكثر من تسعمائة صديق وصديقة لها وأكثر بكثير من ثلاثة آلاف صديق لأصدقائها، وبلغة انكليزية شوارعية أطلقت لوسي رغبة جسدها لهذا اليوم وكتبت “أشعر برغبة كبيرة هذا الصباح بالرقص عارية فوق الغيوم”.

عندما طلب مني صديقي منذ أكثر من أربعة أشهر أن أعطيه معرّفي على “الفيس بوك”، نظر إلي باستغراب عندما أجبته بأنني لا أملك واحداً، وكاد أن يتحول الاستغراب إلى تشنجات في عضلات وجهه عندما علم بأنني لم أدخل إلى هذا الموقع المعجزة طوال حياتي الافتراضية في عالم الانترنيت، تشنجات جعلتني أبرّر ذلك بأن هذا الموقع محجوب ولا أستطيع الدخول إليه مفضلاً ذلك على ألا أدخل معه في نقاش طويل عريض عن الحضارة الجديدة ينتهي به المطاف – لهذا النقاش– بتقدير مستوى تخلفي؛ وبمبادرة كريمة منه أخرج من جيبه دفتراً صغيراً وبدأ ينسخ لي ما يقارب عشر “بروكسيات” جاهزة ومستعدة دائماً لكسر أي إرادة لحكومتنا في منع أي موقع في العالم، وفوق هذا الكرم الحاتمي وبحركة لا يجيدها إلا روّاد الطلائع في برنامجهم الذي كان يُعرض أيام الخميس وضع يده على كتفي وأشار بالأخرى أن اجلس وقال لي سأحجز لك اسماً الآن: وهكذا .. وخلال دقائق معدودة.. وُلد وجهي في الـ “الفيس بوك” وأصبحتُ مواكباً للركب الحضاري.

إنك لا تصدق مهارة وبراعة هذا “الفيس بوك” في صناعة الأصدقاء. فخلال أقل من أربعة أسابيع أصبح لدي ما يقارب المئتي صديق لا أعرف منهم حقيقة سوى خمسة، أما الباقين فقد تكاثروا من خلال “الانقسام الرقمي”، ومن مبدأ “صديق صديقي هو صديقي” قرر أحدهم أن يصبح لي أصدقاء من المجر، واستراليا، والبرتغال أعرف عن أهوائهم ورغباتهم ومشاعرهم أكثر مما أعرفه عن جاري الذي يلاصق باب بيته باب بيتي. وأصبح لي – دون دراية مني- صديقة اسمها “لوسي”.

“لوسي” هذه فتاة في السابعة عشر من عمرها، تسكن أحد أحياء مدينة بروكسل التاريخية، تذهب كل يوم إلى مدرستها ممتطية دراجتها الهوائية لتحافظ على بيئة مدينتها من التلوث، تربي في بيتها قطة سيامية وكلباً تطلق عليه اسم “بول” لأسبابها العاطفية مع “البوي فريند” السابق الذي يبدو أنه يحمل الاسم نفسه.
تتحدث لوسي ثلاث لغات وتنوي تعلم العربية في الصيف القادم، كما أنها تنوي القيام برحلة سياحية إلى المغرب في العام الذي يليه مع صديقها الجديد الذي تعرفت عليه في الشهر السابق في إحدى المكتبات العامة وتفتخر بأنهما مارسا الجنس في ذات المكتبة خمس مرات حتى الآن دون أن يتم ضبطهما، وتقول عن تجربتهما تلك بأنها من الفرادة بحيث تتمنى من جميع أصدقائها تجربتها، إنها فتاة مثقفة وتنوي دراسة القانون الدولي، وهي ترغب هذا الصباح في “الرقص عارية فوق الغيمات”.

لم يمض نصف ساعة على هذا الإعلان من قبل لوسي حتى بدأت تنهال – كالعادة– التعليقات على مثل هذه الرغبات، ومن خلال هذا الوجه الحضاري الجديد للعالم، انبثقت عشرات التداعيات لأكثر شباب العالم قابلية لأن تداعب خيالهم فكرة كهذه: إنهم شبابنا العربي.

تقدم “لوسي” نفسها في هذا العالم كرمز للحرية الغربية والتطور الإباحي للعلاقات الإنسانية دون وعي كامل منها بهذا وبأنها أصبحت من خلال الانترنيت تنشر ثقافتها في شتى بقاع العالم وتشارك غيرها من حيث لا تدري في مسيرة التشويه للعلاقات الإنسانية الأصيلة التي فطرنا الله عز وجل عليها، ولو تمّ سؤالها عن هدفها من وراء نشر أفكارها هذه لاستغربت سؤالنا هذا، فهي لا تعتبر نفسها مبشّرة لقيم “إنسانية” جديدة بقدر ما تمارس حريتها بكل عفوية كفتاة لها كيانها في زمن شاءت التقنية فيه أن تمكّن الجميع من أن يصبحوا أدباء ومفكرين على مستوى العالم بضغطة زر.
أذكر أنه عندما كنا صغاراً، كنا ننتظر قناتنا الوطنية الوحيدة لتفتح أبوابها بعد الظهر ونحن نترقب انتهاء قراءة القرآن الكريم شوقاً لبرامج الأطفال والتي عادة ما كانت تستمر لساعة لا أكثر ثم لتبدأ بعدها البرامج الموجهة إلى الكبار والتي كانت بالنسبة لنا و للكبار معاً نهاية البث، وطوال تلك الفترة لم تحاول حكوماتنا المتعاقبة أن تقدم خدمة -لا لنفسها ولا لشعبها- للاستعداد لهذا الانفتاح على العالم رافضةً له أو غير متوقعة حدوثه كإمعان في النرجسية السياسية؛ ومن برامج كـ”أرضنا الخضراء” و “مع العمال” و “أضواء على الأحداث” و “برامج الطلائع” انتقل المشاهد فجأة إلى ميلودي ميوزيك، ومزيكا، وبرامج أمثال ديرتي كاوز وستار أكاديمي وتي ام زد، وديرتي دانس، وجو ميليونير وغيرها مما تفيض به اليوم أجهزة الاستقبال الرقمي من محطات عربية تقدم برامج غربية بمحتوى إباحي تعرضه كـ “نمط حياة عصري”.

و نتيجة لهذا الانفتاح المفاجئ –الجنسيّ التوجه بمعظمه- على الآخر من ناحية، وضعف عقيدتنا وثقافتنا نتيجة عوامل غيبت العقل وهمشت دور المثقف الملتزم من ناحية أخرى، ظهر موروثنا الثقافي والحضاري هزيلاً ومحكوماً عليه بالموت أمام هذا المهرجان الصاخب والملون للحضارة الغربية المتحررة والمنفتحة على كل شيء حتى بدت من خلال ماكينتها الإعلامية وكأنها التطور الصحيح للعلاقات الانسانية.

إنه ينمو، يتكاثر ببطء وبهدوء ولكن بإصرار كخلايا سرطانية خبيثة، أو كحصان طروادة، هائل وجميل، والموت في داخله، تخدمه هذه الهوة التي تتسع يوماً بعد يوم بين الجيل القديم المحافظ الذي أصبح بفعل التطور الرقمي أمياً وبين الجيل الجديد الذي تخلف عنه المربي والمعلم الذي لم يعد بقادر على مواكبة ما يقرؤه، يسمعه أو يشاهده، وبالتالي توجيهه. ومن مجلة كالعربي مثلاً اوعالم المعرفة أو المختار التي نشأنا عليها فيما مضى انتقل المراهق فجاة إلى ساحات المعرفة الافتراضية التي يستوي فيها العلم مع الجهل وتختلط الفكرة الخبيثة مع الطيبة وبدأ يظهر جيل من مراهقينا و”مثقفينا الجدد” المتبنين للمبادئ الغربية والداعين لها دون أي وعي بها أو بنتائجها أو بتأثيرها على مجتمعنا العربي الإسلامي، ليبدأ مهرجان الحماقة الحداثية بالعزف في المنتديات الأدبية والمواقع الثقافية عبر الانترنيت أو في مجلات تحاكي الشباب، ولتفقد الكلمة المطبوعة هيبتها، وتفقد – بَعدها– أي مسؤولية معرفية وأخلاقية، وليبدأ هذا الجيل من المثقفين الجدد – وفي خطوة هامة نحو التطوير- بالتغلغل في مراكز ثقافية واجتماعية رسمية حساسة ونشر “ثقافتهم”، تحت عناوين برّاقة كالتحرر والتطور ونبذ التخلف ومواكبة الحضارة، فأخذت تظهر في الآونة الاخيرة نتاجات أدبية وثقافية ومسرحية وتلفزيونية بلا هوية لا عربية ولا إسلامية ولا حتى غربية، بل هي مزيج تافه من “الببغاوية” الثقافية المبنية على اجترار نفايات الغرب الاجتماعية والفكرية بأضراس عربية.

ضمن هذا الكرنفال الحداثي للانحدار الديني والثقافي والأخلاقي تبدو حقيقة وجودنا كمواطنين في بلدنا أبعد ما تكون عن مسؤوليتها في الحفاظ على هويتنا العربية والإسلامية – إن كان بقي منها شيء- وحقيقة وجودنا في هذا الكون أبعد ما تكون عن هدفها وعن جوهرها الذي خُلقنا من أجله، فعبادات مثل قيام الليل أصبحت تبدو كترف صوفي سلفي أو بأحسن الأحوال نزوة إيمانية إثر عسر أو فقر، وقراءة القرآن كل يوم هو عمل لكبار السن كصناعة كنزة من الصوف لحفيد مدلل، وبرناج يقدمه عالم جليل في الدين موضع اتهام ومثار سخرية، ومطلب إلغاء.

بعد أسبوعين التقيت صديقي الذي أدخلني في عالم الفيس بوك، وعندما سألني عن رأيي بهذا الإنجاز الكبير في عالم التواصل استغرب مني هذا التزمّت أمام هذه الحداثة عندما أثرت هذا الموضوع معه، فبالنسبة له، لم تكن لوسي تهدف إلى أكثر من التعبير عن رغباتها كمرحلة هرمونية يمر بها جسدها في ذلك الصباح، وهي ليست مسؤولة -لا هي ولا السيد “مارك زوكربيرج”- عما أثاره تصريحها من موجات الرغبات الارتداية لشبابنا العربي، وبحركة طلائعية جديدة ختم حديثه معي بعد أن وضع في جيبي ورقة فيها حفنة من “البروكسيات” الجديدة كرجل كريم لايريد خدش حياء متسول قائلاً: إن كانت رغبة لوسي بالرقص عارية فوق الغيمات، فلنحترم هذه الرغبة، ولنجلس أمام هذا المذبح الرقمي البهيج نراقب رقصتها.. بصمت.

رغم أن “لوسي” هذه موجودة منذ الأزل ترقص على أنغام الحضارة الغربية بكل حريتها، ورغم أحقيتها في مجتمعها بالتعبير عن أي إحساس أو فكرة تراودها وبالطريقة التي تريدها، إلا أنها تدخل اليوم -وبكامل حريتها- إلى عالمنا العربي والإسلامي عبر نوافذ يتضاعف عددها يوماً بعد يوم لتبدأ بالرقص عارية في شاشاتنا وفوق صفحات “مجلاتنا الثقافية”، ترقص في مهرجان الدراما الرمضانية، ترقص في الصباح والمساء مع الجيل الهجين من مذيعي الـ “إف إم”، ترقص على خشبات مسرحنا المعاصر، ترقص بجانب علمنا الوطني في ستار أكاديمي ودماء شهداء اسطول الحرية لم تجف بعد، وسترقص قريباً على أنغام السامبا مع الديوك الفرنسية في كيب تاون لتطمس تحت أقدامها آخر ما بقي من أثر لـ قانا البحر المتوسط، ترقص، وترقص، ونرقص.

الردود 2

الردود 2 على موضوع ““لوسي” ترقص عارية فوق الغيوم”

  1.  إبراهيم مسك

    كلام سليم جداً ، والمضمون المزروع ما بين السطور يشكّل نقطة الاختلاف الكبيرة التي أحدثها هذا المقال ..
    أعجبت بكل حرف من أحرف المقال ، وبكل عبارة ، وبكل قضية يطرحها …

    بوركت وبورك قلمك السيّال ..
    إبراهيم ..

  2.  من الشام

    كل الكلام رائع وجميل ولكن الخوف ليس فقط من لوسي الغرب ,يا حذاري من لوسي العرب فتلك أشد فتكاً من لوسي الغرب أصدق أن لوسي الغرب عندما تكلمت هذا الكلام لم يكن لديها أي هدف تبشري لأي رسالة في الكون أما لوسي العرب فلديها ألف غاية ورسالة إفسادية عندما ترقص على شاشاتنا وإذاعاتنا ………الخ
    وشكراً

أضف رد