مسلم مهزوم أمام كأس العالم

يونيو
22

مسلم مهزوم أمام كأس العالم

د.أحمد خيري العمري 

لم أحب كرة القدم يوماً، لكني لم أكرهها كما أفعل اليوم.. وكما أفعل على الأقل منذ أربع سنوات.. أدرك تماماً حساسية الخوض في هواية شعبية محببة للناس.. ولكن هذا بالذات ما يدفعني للخوض فيها: لقد صارت كرة القدم (أو صار هذا الهوس فيها تحديداً)، جزءاً من بديهيات الحياة المعاصرة، بل أضحت من المحرمات التي لا يجوز نقدها أو الاقتراب من أسوارها إلا عبر المخاطرة بسماع ما لا يُحمد من عقباه من التعليقات والانتقادات.. وأنا هنا لا أتحدث عن تحريم أو تحليل….

أو شيء من هذا القبيل، لا لأن الموضوع ليس من اختصاصي فحسب، ولكن لقناعتي أن الاستعانة بالفقه التقليدي في قضية من هذا النوع بمفهوم الحلال أو الحرام أو ما بينهما قد لا تكون مجدية جداً في هذا السياق..

ذلك لأن أغلب “المحرّمين” للأمر يرونه “تشبهاً بالكفار” (بالإضافة إلى ركبة لاعبي الكرة!) وأغلب “المحللين ” يرونه مرتبطاً بهواية رياضية لا ضير من متابعتها ما لم تؤخِّر عن أداء الفرائض والواجبات الدينية! أرى الأمر لا يخلو من حسن للظن مبالغ به في حالتي التحليل والتحريم على حد سواء.. على ما قد يبدو في ذلك من تناقض..

فمن يحرم المتابعة لا يرى غير بضعة سنتمترات فوق الركبة أو تشبه منهي عنه.. ومن يحلل المتابعة والتشجيع لا يرى أكثر من رياضة ممتعة تحافظ على اللياقة في أجواء من التنافس المهني.. لكن هذا كله لا يمكن أن يصمد عندما يرى المرء أجواء الهوس المصاحبة لتشجيع الفرق المتنافسة على كأس العالم.. الأمر حتما تجاوز التشبه الذي يمكن فهمه أو تفهمه وفهم النهي عنه أيضا.. وهو لم يعد هوساً فردياً يمكن تهميشه ..

بل صار ظاهرة جماعية تستحق الدراسة و الفهم.. ما معنى أن يرفع أي شخص علماً غير علم بلاده فوق منزله أو على سيارته أو على صدره.. ما معنى أن يجعل من شارة تلك الدولة هوية معرفة له في بريده الشخصي أو على المرسال أو في الفيس بوك أو أي وسيلة اتصال أخرى..؟.. وما معنى أن تتصدر أخبار هذه المباريات اليومية وتفصيلات تفصيلاتها قائمة اهتماماته الشخصية وتعليقاته ونقاشاته ( بل وشجاره وسبابه أحيانا كما شاهدت بعيني).. ويحدث ذلك كله أحياناً والمشجع المتحمس لم يزر الدولة التي يشجع فريقها ولا يعرف كلمة واحدة من لغتها ولم يتعرف على أي شخص يحمل جنسيتها.. ولكنه رغم ذلك يتعصب في التشجيع و يغالي في الانحياز ويعرّف عن نفسه من خلال ذلك.. قد يمكن فهم الهوس جزئياً عندما يكون فريق دولتك مشاركا في المباريات.. لكن كيف يمكن تفسيره عندما يكون وطنك خارج أي تنافس.. ناهيك عن كونه مليئاً بمشاكل لا تحتمل أولوياتها ترف متابعة مباريات الآخرين ومنافستهم ( أم إن الأمر مرتبط بأكثر مما يبدو وتشجيعك لفريق أجنبي وحماسك له هو جزء من عملية هروب جماعي من مواجهة مشاكل مجتمعك وواقعك؟..)

التيار الفرويدي في علم النفس يفسر الهوس بالرياضة بكونه تنفيساً عن “الطاقة التخريبية” التي يمتلكها الإنسان (الرجال خصوصاً حسب قولهم).. الصراخ والغضب والحماس المصاحب لعمليات التشجيع – والشجار والتحطيم لاحقا أحياناً- ينفّس عن هذه الطاقة التي كانت ستنتج المزيد من العنف لولا أنها صرفت في هذا المجال..

تيار أساسي آخر في علم النفس يفسر هذا الهوس بكونه تعبيراً عن حاجة عميقة و فطرية للانتماء إلى شيء ما، إلى رابطة مع الآخرين، رابطة تجمع الجماهير وتثير حماسها و فخرها وتُجري الدم والأدرينالين في عروقها وترفع الصوت في حناجرها.. هذه الحاجة الشعبية إلى الانتماء يمكن أن توظف في عدة اتجاهات، المنطقي هو أن تتجه نحو ما يخدم هذه الجماهير، ما يجعل حياتها أفضل أو يعبر على الأقل عن قيمها وتطلعاتها… أما أن تُستقطَب لتشجيع فريق كرة لا يمتّ لاعبوه بصلة لها، فهذا لا يعني سوى أن الطاقة الكامنة للتغيير عند هذه الجماهير تُصرَف في غير سياقها ( وهو أمر تُسَرُّ له مؤسسات الوضع القائم – الداخلي و الخارجي- بكل الأحوال).. هل يحدث هذا كجزء من خطة مسبقة للإيقاع بهذه الغريزة، وتسويقها من أجل استمرار الوضع القائم، و لجر المزيد من الأرباح لصالح الشركات الاحتكارية، أم إنه يحدث بشكل عفوي وتلقائي كجزء من رغبة الناس في التسلية وتأثرها بثقافة اللهو والتسلية بشكل عام؟!!.. (..وهل بقي هناك ما يمكن أن يقال عنه إنه تلقائي وعفوي في ظل سيطرة الإعلام على اللاوعي الجمعي وتسييره على نحو شبه تام؟)

دراسة تطور لعبة كرة القدم في بريطانيا تشي بأن وراء الأكمة ما وراءها.. ظلت كرة القدم لعدة قرون لعبة شعبية في الأحياء الفقيرة دون وجود قوانين أو قواعد تنظمها.. لكنها سرعان ما صارت علامة مميزة للحركة العمالية الناشئة في خضم نتائج الثورة الصناعية.. بدأ عمال المصانع الذين كانوا يعيشون ظروفاً بالغة السوء آنذاك، بدؤوا باللعب بالكرة- وفي ظهيرة يوم الأحد وبعد خروجهم من الكنيسة.. هذه المباريات التي كانت عفوية في البداية بدأت تعبر عن العمال وتطلعاتهم وترسخ الأواصر فيما بينهم.. سرعان ما انتبه أصحاب المصانع إلى خطورة الأمر.. وحاولوا بمساعدة الكنيسة منع مباريات الأحد.. لكنهم لاحقاً فكّروا في احتواء الخطر عبر قيادتهم له: دعوا إلى تكوين فرق أكثر تنظيماً ومهنية ولكنها تحتاج إلى أموال بطبيعة الحال، وهذا جعلهم مؤهلين أكثر من اللاعبين لتشكيل هذه الفرق ودعمها، مع نضج الأمر صارت هذه الفرق وسيلة لتكريس ولاء العمال إلى المصانع وبالتالي للالتفاف على النواة التي قامت اللعبة على أساسها.. نواة تضامن العمال وتعاونهم فيما بينهم.. لكنّ الأمر لم ينته هنا، فقد اكتشف أصحاب المصانع لاحقا أن اللعبة يمكن أن تستغل ليس فقط لإلهاء العمال عن مطالبهم ولكن لدرّ الأرباح أيضاً، فمع زيادة عدد الجمهور المتابع ( الذي كان يقف ليتابع المباراة، مجاناً طبعاً) صار بالإمكان جعل هؤلاء يدفعون النقود من أجل المشاهدة..

ومن يومها و “كرة القدم” دخلت بعمق فيما صار يُعرف بصناعة وقت الفراغ leisure industry المرتبطة مباشرة بتقليل ساعات العمل، وبالتالي زيادة وقت الفراغ الذي سيُملأ في فعاليات مسيطر عليها وتؤدي إلى إنفاق العمال وبالتالي زيادة الأرباح.. ما حدث بعدها كان معلوماً، خاصة مع تطور وسائل الإعلام ودخولها كل بيت: صارت ثقافة الاستهلاك بكافة مفرداتها (ومن ضمنها كرة القدم) جزءاً من بديهيات الحياة المعاصرة التي لا تقبل المساومة و الجدال..

مباريات كرة القدم اليوم تُعَدُّ صناعةً ربحيةً بما لا تقل عن ستة مليارات دولار سنوياً من الواردات، وبواردات لا تقل عن 3 مليارات و نصف مليار من الدولارات للفيفا وحدها(المنظمة لكأس العالم) لهذه السنة 2010، هذا عدا عن الأرباح الناتجة عن بيع مستلزمات الرياضة (66 مليار دولار لعام 2009) ، بينما يبلغ حجم الإنفاق والواردات على” صناعة الرياضة ككل” 430 مليار دولار- ( بالمقارنة مع 643 مليار لصناعة الأدوية والعقاقير) علماً أن هذا المبلغ أكبر بكثير من مجموع الناتج القومي لأغلب دول العالم ( ست عشرة دولة فقط مجموع ناتجها القومي أكبر من ذلك، أكثر من 150 دولة يقل ناتجها عن عُشر هذا المبلغ)..

أليس الهوس الجماعي بهذه اللعبة هو مصدر تدفق الأموال إلى الرعاة الرسميين لمباريات كأس العالم ( الكوكا كولا والأديداس وماكدونالد ونوع مشهور لمشروب كحولي..)..؟ هل يمكن تصور أن هذا الهوس لم يُستدرَج خطوة خطوة ليصبُّ في أرصدة القطط السمان وإنما سارت الأمور كيفما اتفق ووصلت إلى هناك رغبة في متابعة مهارة اللاعبين”؟.. أليست الرغبة الغريزية في الانتماء الجماعي هي المادة الأولية التي مكّنت الملأ الرأسمالي من تسيير الجماهير إلى تشجيع هذا الفريق أو ذاك؟..أليس في هذا أكبر هزيمة لأي صاحب قضية ومبدأ.. مسلماً كان أو يسارياً أو أي شخص يحلم بعالم أكثر عدالة.. أليست هزيمتنا الكبرى أننا نرى هذا الهوس يأكل شبابنا ويستنزف طاقاتهم بينما فشلنا في تقديم نموذج يجمع هذه الطاقات ويلمّ شتاتها ويوظفها لنصرة قضية حقيقية؟

( قبل قليل قرأت خبراً عن متشددين في الصومال يعاقبون من يقبض عليه متلبسا بمتابعة المباريات، و هذه أيضا هزيمة أخرى جملة و تفصيلاً..) ت

يري ايغلتون، الذي يُعَدُّ أهم ناقد بريطاني حيّ، كتب في الغارديان البريطانية قبل بضعة أيام عن المرارة التي يشعرها كلُّ راغب بالتغيير الحقيقي وهو يرى كرة القدم تلهي الناس عن كل مشاكلهم وقضاياهم الحقيقية.. تيري (الذي تعرّض لهجوم لاذع ومقذع من القراء بحيث حذفت بعض التعليقات) قال إن “كرة القدم هي أفيون الشعوب الجديد!”. تيري بريطاني، يعيش في دولة مشاكلها أقل من مشاكلنا بما لا يقاس، وهي دولة من الدول المتقدمة بغض النظر عن تحفظنا على مفهوم التقدم.. وفريق هذه الدولة مشارك وبقوة في مباريات كأس العالم ومع ذلك فهو يقول إن “كرة القدم أفيون الشعوب”..

ماذا يقول لو كان مسلماً، من أمة تتقاذفها الرياح، ومشاركتها في المباريات ضعيفة بل وشبه منعدمة.. ورغم ذلك فالهوس بكرة القدم يفترس شبابها الضائع على غير هدى؟؟.. أم إن كرة القدم عندنا تتنافس- مع أشياء كثيرة أخرى- لتكون أفيوننا الذي نخدر أنفسنا به عما يجب تغييره؟

رد واحد

رد واحد على موضوع “مسلم مهزوم أمام كأس العالم”

  1.  توفيق

    تحليل جيد ورؤية واقعية، وقد وقف الشعب الجزائري على واقعه المرير بعد خروجه من المونديال وذلك عبر قناة الجزيرة التي استضافت أمس الدكتور أحمد بن بيتور رئيس أول حكومة في عهد الرئيس الحالي والذي قدم استقالته لعدم قدرته على التغيير لسبب بسيط وهو أن الرداءة فرضت نفسها حسب قوله، وقد ورد في تصريحاته كلام خطير عن الواقع الجزائري الذي حاول النظام تغطيته بلفت الأنظار لفريق كرة القدم والإنجازات الوهمية التي حققها على حساب بؤس الشعب والتفشي الخطير لقضايا الفساد ونهب المال العام، وفي غياب الإنجازات الحقيقية يبقى الرأي العام العربي رهينة لإنجازات وهمية تصرفه عن واقعه المرير فيبقى في حالة تخذير إلى حين.

أضف رد