“ثم يقولون هَـذَا مِنْ عِندِ اللّهِ”

يوليو
27

ثم يقولون هَـذَا مِنْ عِندِ اللّهِ”[1]

بقلم: بيـة عيسى الاطرش – الجزائر

على مرّ التاريخ وُجِد هناك من كان يُحاول تبرير المستجدّات في عصره أو مصالح خاصة به تبريرا دينيا بإلباسه لباس المقدّس من خلال الكتب الإلهية. هذا ما يجعل تلك النظريات والأفكار سريعة النفاذ إلى أذهان وقلوب الناس وسهلة الانتشار بينهم، ويختصر المسافة بين تقنينها نظريا وتطبيقها واقعيا. بالطّبع يُعتبر هذا تقوّل على الله وكذب وافتراء قد حذّرنا الله تعالى –الخبير بما تُخفي صدورنا- من عواقبه الوخيمة. ولنضرب لذلك أمثلة:

– فكرة العلمانية لمّا أراد بعض ” المتأسلمين” إدخالها إلى أوساط المسلمين فكّروا في شرعنتها عن طريق البحث عمّا يُعضدها من قرآن وسنة فوجدوا لها حديث: “أنتم أدرى بأمور دنياكم”.

– نظرية التطوّر أو النشوء والارتقاء المناقضة لنظرية الخلق (التي يثبتها دين التوحيد ويصدّقها العلم التجريبـي الحديث) عندما أراد شحرور أن يُؤسلمها وجد لها آية: “قد خلقكم أطوارا.” وغيرها الكثير…

” يقول مفكّرنا مالك بن نبي في هذا الصدد:“…أصبحنا نضمّ إلى الإسلام كلّ ما نعتقد أنّه ذو قيمة حضارية دون تمحيص فيما يربطه أم يُحدّد درجة ارتباطه بالإسلام أو يُنـزّه عنه الإسلام.”

– الجدير بالملاحظة أنّ هذه الإدّعاءات تجلب أصحاب النفوس الضعيفة خاصة بعدما بَعُدَ عن أوساطنا منهج التثبّت من المعلومات والأخبار قبل الانصياع لها. لكن هذه الإدّعاءات في حقيقة أمرها لا تصمد أمام النص القرآني والهدي النبوي كوحدة متكاملة بل تنهار ويخفت بريقها أو ينطفئ.

فالمسلم المتشرّب من كلام ربّه والعالِمُ بمقاصد دينه العظيمة يُولَّدُ لديه حِسٌّ إيماني قرآني نقديّ فائق يجعل أُذنه لا تستسيغ أمثال هذا الكلام وبالتالي يردّها بأقوى الأدلّة من أوّل وهلة أو على الأقلّ يُشكّك قي صحتها ثم تبدأ رحلة بحثه عن الحقيقة في المسألة. هذا الحسّ القرآني النقدي يُذكّرنا بموقف أمّنا العالمة الحكيمة عائشة رضي الله عنها حين سمعت أحدهم ينسب قولا (معتقدا يهوديا) إلى الرسول عليه الصلاة والسلام (يُشرعنه) يُفيد بأنّ الميّت يُعذّب ببكاء أهله؛ فعارضته قائلة: “لاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى”.

ولمّا توهّم أحدهم أنّ الضمير الموجود في هذه الآية: ( وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفقِ الْمُبِين ) يعود إلى رؤية الرسول عليه السلام لربّه، ردّت عليه واثقة: أولم تسمع أنّ الله يقول : ( لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير ) أولم تسمع أنّ الله يقول : ( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ). فلا تناقض في هذا الدين القويّ البنية ولا يعني قولنا أنّه “صالح لكلّ زمان ومكان” فهو يستوعب ما هبّ ودبّ من الأفكار والمقولات والنظريات، كما يتوهّم البعض.

– والملاحظ أنّ هذه التبريرات ما هي إلاّ دعوات ساذجة استغلّت جهل الناس وغفلتهم عن حقيقة دينهم لِتفرِض وُجودها وسلطتها ووصايتها على العقول.

وهذه التبريرات الدينية والتقوّل على الله نجدها أكثر انتشارا في الذين نشأوا في بيئة ذي طبيعة وراثية للدين ثمّ هم فتحوا أعينهم على منتجات العصر التي تتدفق عليهم من كلّ حدب وصوب، فوجدوا في كثير من الأحيان تعارضا بين هذه الأخيرة وبين ما تربّوا عليه، لذلك تراهم يُحاولون- في تذبذب وريب- تلفيق هذا بذاك وإلباس العصريّ –بغض النظر عن مستوى صحته- لباس الديني سعْيا منهم للقضاء على وَخِز الضمير وتسهيلا منهم لعملية الاستهلاك التي ألِفناها للأسف، تماما كما يُغلّف السمّ القاتل بغطاء عسلي. ففي الوقت الذي نجد فيه الكثير من المعتنقين للإسلام، أشدّ الناس تثبّتا في قضايا دينهم وأحرصهم على فعل ذلك نجد أغلب المسلمين بالولادة يتساهلون في هذا الأمر للأسف، لا بل ويقعون في أخطاء فادحة كما أسلف وذكرنا.

________________________________________
[1] {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ }البقرة79

الردود 6

الردود 6 على موضوع ““ثم يقولون هَـذَا مِنْ عِندِ اللّهِ””

  1.  ابن المدينة المنورة

    لا أملك إلا أن أقول.. جزاك الله كل خير، وأسأل الله عز وجل أن يرفع منزلتك في الآخرة وييسر أمرك ويسعدك في الدارين، أرجو نشر المقال في سيريانيوز

  2.  توفيق

    موضوع جيد ومهم ونرى بعض صوره في واقعنا المعيش يوميا، فهناك من يجتهد في هذا المجال من باب الجهل وعن غير قصد سيئ أو نية خبيثة وينسب إلى الله عز وجل أشياء لا يقبلها عاقل ويعمل على نشرها فيصدقها الكثيرون وتصبح متواترة من جيل إلى جيل، وهناك من أعداء الإسلام من يقوم بهذه الأفعال ويجيش لها وسائل دعائية قوية وذات وزن فتنتشر بصورة مذهلة وفي وقت قياسي، وبهذا الخصوص أحمل علمائنا جزء كبيرا من المسؤولية لأنهم لم يردوا في كثير من الأحيان على مثل هذه الإفتراءات ولم يعطوها أهمية رغم خطرها الكبير على الجانب العقائدي للمسلمين.

  3.  صلاح الدين

    السلام عليكم
    أخي العزيز توفيق اسمح لي الاختلاف معك
    علماؤنا أجابوا ويجيبون لكن المشكلة أننا لا نبحث عن أقوال العلماء ولا نذهب إليهم وإن ذهبنا لا نفرق بين الداعية والشيخ والمفتي والعالم بعلم واحد من علوم الاسلام كعلم الحديث فحسب وبين العالم الذي جمع فنوناً وعلوماً

  4.  ابن المدينة المنورة

    تذكرت طرفة تتعلق تقريبا بالموضوع وهي أن أحد الذين لا يؤمنون بالقرآن واسمه مستر -كوك-أراد أن يحرج أحد العلماء فقال له يا شيخ: تقرأون في القرآن (ما فرطنا في الكتاب من شيء) فأين أجد اسمي في القرآن؟ فالشيخ الله يهديه بدلا من أن يشرح له الآية ومقصدها فكر وفكر ثم قال له: اسمك موجود في القرآن وقرأ الآية (وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما) فالشاهد في عبارة (وتركوك قائما) وتر..كوك.. قائما، يقال أن مستر-كوك- عندها نطق بالشهادة، فالمغزى من هذه الطرفة أننا يجب أن نسير على منهج القرآن وإن خالف مراد النفس لا أن نسير-بتشديد السين-القرآن على هوانا وشكرا

  5.  توفيق

    مع احترامي لرأيك أخي صلاح الدين إلا أنني أرى أن جل علمائنا اليوم فضلوا القنوات الفضائية والأستديوهات والقاعات المكيفة ومواقع الإنترنت للتواصل مع الناس عوض التواصل المباشر حتى أن بعضهم رفض تفعيل إيقونة الإتصال مع محبيه ومؤيديه في موقعه لكي لا تكثر عليه الأسئلة أو لدوافع أخرى لا يعلمها إلا الله والمعنيين بالأمر، لذلك فرأي قد يكون خطأ يحتمل الصواب.

  6.  أمينة السوسو

    الموضوع هام فعلا وأود أن أطرح مثال مهم جدا ألا وهو الإعجاز العلمي في القرآن والسنة ولا ننكر مجهود العلماء في ذلك ولكن البعض منهم يقع في خطأ فادح من خلال سعيهم لإظهار الإعجاز العلمي فيأخذون أي بحث ويثبتون وجوده في القرآن أو السنة وبعد فترة قد يظهر نقيض للبحث وللأسف الشديد لا يوجد لدينا بحث علمي موثوق فالعالم العربي مستهلك حتى للبحوث العلمية كالإمعة وكمثال على ذلك عندما سألت عن معنى الترائب في سورة الطارق للأسف لا أحد يعلم الإجابة وقد سألت علماء ودارسين ولا أحد يعرف كلهم يقولون ما ورد في تفسير ابن كثير أنّه صدر المرأة ولم أقتنع بالإجابة فما علاقة الماء الدافق بصدر المرأة أو ما هي العلاقة العلمية بينهما وكذلك معنى الطارق صار له تفسيران والجميع يضيع في علوم الفلك لأننا ابتعدنا عن هذا العلم ونعتمد على ما ترسله وكالة ناسا للفضاء وهذا كله ودون أن ننتبه يسيء للإسلام ويثبت نظرية الغرب بأن العرب المسلمين متخلفين … وشكرا لكم

أضف رد