الجواب الشافي (3) هل لنزول المطر علاقة بالطاعة أو المعصية؟؟

ديسمبر
30

كنا قد توقفنا مع مسألة علاقة نزول المطر بالطاعة والمعصية وطرحنا سؤال شائعاً يطرحه الكثيرون وهو:

لماذا علينا أن نمتثل لدعوات علماء الدين في العودة إلى الله والتوبة عن المعاصي والمنكرات وأداء الزكاة وغيرها من الطاعات لتنزل المطر، وهل الناس في الغرب يفعلون شيئاً من هذا حتى إن الأمطار تعم بلادهم والخير يملأ ربوعهم؟

وجواباً عن هذا السؤال أقول:

إن نزول الأمطار مرتبط بطاعة المؤمنين لربهم بدليل قوله تعالى:

(اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12))

فالاستغفار والعودة عن الذنوب ورد الحقوق إلى أهلها من أسباب رزق الله لعباده وإغاثتهم بالماء والمطر، وهذا ما أعلنه الله تعالى خطاباً موجهاً للمؤمنين الذين آمنوا به وبرسوله ووقعوا على عهد الإيمان منذ أذعنوا لانتمائهم إلى أمة محمد عليه الصلاة والسلام، فأولئك هم المكلفون بطاعته سبحانه واجتناب ما نهاهم عنه…

أما غير المؤمنين فليسوا معنيين بخطاب التكاليف بالطاعة واجتناب المعاصي، بل هم معنيون بخطاب الإيمان بالله تعالى وملائكته وكتبه رسله واليوم الآخر…. إلخ فإن لم يستجيبوا فلا حساب لهم فيما هو أدنى من تكاليف الأحكام والشرائع…

لذا فإننا نلاحظ آيات الله تعالى التي تتضمن الأحكام والتكاليف فإنها تبدأ بقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا فيقول تعالى:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى…)

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278))

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ…)

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ…)

وغيرها كثير….

أما غير المؤمنين فخطابهم يكون دعوة للإيمان ويبدأ بـ (يا أيها الناس) يقول تعالى:

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآَمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (170))

(قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158))

وغيرها كثير…

وربما يقول قائل الآن:

إذاً عدم استجابة أولئك لخطاب الإيمان أليس أولى بحرمانهم من نعمة القطر من السماء بدل من منحهم أسباب الخير والنعيم وهم لا يستجيبون لنداء الإيمان…

وهنا يأتي قول الله تعالى جواباً عن هذا السؤال:

(مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (16))

وقوله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (20))

فأولئك يوفي لهم الله تعالى في الدنيا ما يفعلونه فيها من خير بأنواع من النعيم يتمتعون بها، ذلك لأن أعمالهم الصالحة لا يثابون عليها لأنها لم تكن مبنية على الإيمان بالله الذي هو الركيزة الأساسية في الثواب..

يقول تعالى:

(وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (124))

وبذلك نفهم سبب الغيث الذي تنعم به دول الغرب رغم ما هي عليه من واقع بعيد كل البعد عن الالتزام بما أمر به الله والابتعاد عما نهى عنه، ولا ننسى أمراً هاماً وهو أن النعيم الذي نراه عندهم ليس بالضرورة أن يكون سبب خير أو سعادة لهم فالله تعالى يقول:

(حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (24))

وللاستزادة حول هذا الموضوع يمكن مراجعة هذا الرابط لسماحة الدكتور العلامة محمد سعيد رمضان البوطي في إجابته عن هذا السؤال

http://fikr.com/bouti/article.php?id=937

الردود 5

الردود 5 على موضوع “الجواب الشافي (3) هل لنزول المطر علاقة بالطاعة أو المعصية؟؟”

  1.  ابن المدينة المنورة

    عموما الدنيا عند المؤمنين ليست مقياس للسعادة أو عدمها، لأن المؤمن في الدنيا إما في نعيم فيشكر أو شقاء فيصبر
    الله يقدر البلاء على عباده المؤمنين إما رفعة لدرجاتهم أو تكفيرا لسيئاتهم، أو امتحانا لهم ليبلوهم أيهم أحسن عملا، أو تذكيرا لهم لعلهم يرجعون إليه
    بارك الله في الدكتور البوطي، وجزى الله أستاذتنا الفاضلة سهير خير الجزاء، هذا الباب (الجواب الشافي) من أهم الابواب وأكثرها فائدة
    فبوركت جهودك وكثر الله من أمثالك

  2.  توفــيـــــق

    إضافة لما قالته الأخت سهير، فإن المؤمن مبتلى في دار الدنيا ويخضع لامتحانات ربانية ليعلم الله الخبيث من الطيب وليعلم الصابر من القانت ومن اوجه البلاء النقص في المال والأنفس والثمرات، لأن دار الدنيا بالنسبة للمسلمين هي دار عمل يسعى كل واحد فيها إلى مرضاة الله عز وجل للفوز بالجزاء في الدار الآخرة، أما الكفار وذوي الملل الأخرى فهم ينظرون للدنيا بنظرة مادية بحتة يلهثون وراء الملذات وتغيب النظرة العقائدية عندهم أو أنك تراها مشوهة وبعيدة عن ما جاء في الرسالة المحمدية، كما أن الله عز وجل يسلط على عباده في هذه الدنيا عقوبات عند انتشار الربى والزنى والفواحش في غياب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد وردت عواقب هذه الأمور في القرآن الكريم وأحاديث نبوية وهي رسالة من الله عز وجل لعباده لكي يعودوا إلى طريقه المستقيم قبل فوات الأوان،

  3.  م.س

    حدثتني مرة ابنة أخي حين كانت تدرس في بعض أرقى الجامعات الأمريكية علميا بأن الطلاب في الإمتحان يعطون عددا معينا من الأسئلة فمن أنهى الإجابة عليها قبل الوقت المحدد يعطى كمية أخرى من الأسئلة وهكذا دواليك إلى أن يحن موعد تسليم الأوراق. ولقد أعجبتني تلك الطريقة التي تعطي فكرة صحيحة عن إمكانية كل طالب ومدى الطاقة التي يملكها وإلى أي مدى يمكن أن يصل في زمن محدد. فخطر في بالي أن الطلاب الجادون يسعون لأن يمتحنوا بأكبر قدر من الأسئلة دون تذمر مع كل ما يتحملون في تلك الساعة من المشقة والجهد والضغط ودون غيرهم من الطلاب الذين يأخذون الأمور بسهولة وبهدف تحصيل الشهادة وكفى , أولئك الجادون أملهم معلق بعدل هيئة تقييم الإمتحان والنتيجة التي سيحصلون عليها في نهاية العام والتي ستؤهلهم لولوج ميدان العمل من أوسع أبوابها.
    فكذلك حال الدنيا والآخرة وثقة المؤمنين بعدل الله وله المثل الأعلى. فمعرفتهم بأن الدنيا إمتحانهم تمدهم بالصبر على كل حال وطلب الجنة ثمنا لذلك مع بذل أقصى طاقات الجهد في تأدية الواجبات ودون أي إلتفاتة إلى أولئك الذين تنهمر عليهم متع الحياة ورغدها.
    إن الآية الواردة في بداية الحديث جاءت على لسان سيدنا نوح وينقصها الكلمة الأولى كما وردت في الآية إذ يقول وهو يناجي ربه في دعائه وشكواهويصف حاله مع قومه : ” فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا” . ومن سياق تتمة الآية سيدنا نوح يبين لقومه فضل الله عليهم وتسخيره مافي السماء والأرض لهم, لذلك قال لهم ” مالكم لا ترجون لله وقارا ” أي مع كل هذه النعم من مطر وذرية وأموال وجنات على الأرض والقمر والشمس في السماء, أفلا يستحق أن تستغفروه.
    تماما كما لو قلنا لولد عاق أفلا تتصل بوالدك , ينفق عليك في طعامك ومشربك وثيابك ويساعدك في دراستك ويزوجك إلخ…أفلا تحترم كل ذلك فتبجله.
    إن المطر مثله مثل أي جند من جند الله كالريح والبرق والشمس يمكن أن تكون سقيى رحمة أو نذير وعذاب. ففي كل يوم جمعة حين أقرأ سورة الكهف أجد خبر مثل على ذلك في قصة الكافر بأنعم الله صاحب الجنتين إذ عجل له الله عقابه في الدنيا رحمة به ليعود إليه حين قال بعد أن هلك زرعه : ” ويقول يليتني لم أشرك بربي أحدا”.إن خسارته لما يملك لا تقارن مع نجاته بإيمانه يوم الحساب.
    إن السيول التي نزلت في ساحة باكستان والتي أغرقت الأخضر واليابس وشردت أهل تلك البقعةوهي أراض إسلامية لا يمكن فهمها إلا إذا تذكرنا أن حكومة تلك البلد كانت تعد قبيل تلك الكارثة العدة لهجوم كاسح بالتحالف مع من الكل يعرفونهم لقتل المستضعفين في الأرض والتي كانوا يعلنون قرب انطلاقتهاعلى الملأ ووضعوا لها إسما, فجاءهم غضب من الله أفقدهم قوتهم وعزائمهم وشتت طاقات أفراد جندهم . وكذلك الحال في أي مكان ,يمكن ألا نفهم حكمة الله ولكن نتقبلها بقلب راض وخاشع تماما كما كان حال سيدنا موسى مع الرجل الصالح. ودمتم

  4.  admin

    شكراً للأخوة ابن المدينة المنورة – توفيق – م.س المبادرين للتعليق خلال أقل من 24 ساعة من النشر
    أخ م.س شكراً لكل ما تمنحه للموقع من إضافات غنية
    أهلا بكم في موقعكم ودمتم جميعاً بخير

  5.  Manal

    السلام عليكم :
    في الواقع قد أغنانا الأخوة بتعليقاتهم سوى ان لدي إضافة وهي إن الله سبحانه وتعالى عادل لا يضيع مثقال ذرة حتى بالنسبة لغير المؤمنين ولذلك نجد أناس بلغوا قمة النجاح في الحياة الدنيا رغم عدم إيمانهم بالله ذلك بأنهم عملوا من أجل نجاحهم فأثابهم الله جزاء عملهم في الدنيا ذلك لأنهم لا يؤمنون بغيرها وهذا من منتهى عدله سبحانه وعظمته جل في علاه…. وأما للمؤمنين فالأمر مختلف
    ذلك بأنهم يؤمنون بالآخرة ويعملون لأجلها فقد يتعرض المؤمنون للامتحان والبلاء تمهيداً لثوابهم في الآخرة والله أعلم.

أضف رد