فـوبـيا المـــــرأة !

يناير
20

الشيخ /عادل بن سالم الكلباني

كانت المرأة في الجاهلية مصدر شؤم وخوف من مصيبة تلسع سمعة أبيها ، أو أخيها ، فكان من نتيجة هذه النخوة أن وأد الجاهليون بناتهم !

وجاء الدين الحنيف ليرفع من قدر المرأة إلى مقام لم تعرفه المرأة في كل العُصُر والحضارات التي سبقت ظهور الإسلام ؛ لأنها الأم الحنون ، والأخت العطوف ، والبنت الغالية ، والزوجة الحبيبة .

ولكن ، يأبى كثير من ( الغيورين ) ! إلا أن يعيدوا الأمر إلى سابق عهده ، توجسا وخوفا من مصيبة متوقعة ، فعاد وأد البنات ، لكنه اليوم ليس دفنا في التراب ، وإنما دفن لقيمتها ، ولحريتها ، دفن لإنسانيتها ، ولكرامتها ، والمصيبة أنه يصبغ اليوم بصبغة دينية ، ويتدثر بلباس شرعي !

والحقيقة المرة أن المرأة في أذهان كثيرين – ممن يرون أنهم أشد غيرة عليها ممن شرع لها الدين ، وخلقها من ضلع آدم ، لتكون له سكنا ، ونص على أنهن شقائق الرجال – أضحت عندهم مصدرا للقلق ، والريبة ، والتوجس ، خشية الانفلات ،

ففي كل نشاط تريد أن تمارسه تتهم بأنها لا محالة ستفسد أخلاقها ، وتتخلى عن طهارتها ، وتنزع جلباب الحياء ، وتجلب العار لأهلها !

فلويت أعناق النصوص ليحكم الخناق على الفتاة المسلمة فلم تدع لها متنفسا تستنشق منه هواء نقيا ! وأوصدت عليها أبوابا من حديد ، وحكم عليها بالسجن المؤبد ، لتقضي عمرها تقبع في بيتها كي لا يراها الآخرون ! فما الناس – في أذهانهم – إلا ذئاب مفترسة تتربص بطرف عباءة أنثى لتصطادها ، وتلتهمها لقمة سائغة .

فغدت المرأة كابوسا مزعجا يحرم صاحبه من أحلامه الوردية ، يفزعه من نومه متوقعا الفساد ، والعار والشنار ، أين ذهبت ، ماذا فعلت ؟؟؟ فلكي يهنأ في نومه ، ويرتاح باله ، شدد عليها الحصار ؛ إذ ليس لها مثل في عقله إلا مثل شاحنة الوقود يمنع الاقتراب منها ، ويجب الابتعاد عنها ما لا يقل عن مئة متر !!!

ف ( حماية ) لها ، و(صيانة ) لعرضها ، و( خوفا ) عليها ، لا بد أن ( يسد ) كل باب ( قد ) يكون طريقا لفساد أخلاقها، وذريعة لاستلاب حيائها وعفتها، حتى ولو كان حلالا، ولا يملك على حرمته برهانا، فليوصد ، وليغلق بأقفال لا تفتح، بل بأقفال لا مفاتيح لها !!!

هذه عقلية كثير منا ، والفكر الذي منه ينطلقون ، وعليه يعتمدون ، وهو الطرح الحضاري الذي نقدمه ليكون مثالا على سمو الرسالة التي نحملها !!! والتي أسست على العدل ، وبنيت على الحق .

ولا تحتاج إلى أن تمعن النظر لترى أن هذه العقلية لا تختلف كثيرا عن عقلية عرب الجاهلية الذين لم يعرفوا الإسلام ، واعتمدوا على عادات وتقاليد ترسخ مفهوم الجهل الذي يعيشونه ، وترسم واقع التخلف الذي يلفهم ، ويحكم قبضته على عقولهم وتفكيرهم .

وحاشا شريعة الإسلام التي جاءت مخلصة للناس من الوساوس ، والقيم البالية ، المتممة لمكارم الأخلاق ، حاشاها أن تقدم هذا الفكر الذي يرعب أبناءه فضلا عن غيرهم ممن ترغب أن تدعوهم إلى قيمها ، وأخلاقها ، وتحوطهم بيسرها وعدلها ، وسماحتها .

هناك نصوص تستحلب لتكون مرتكزا لذهنية علقت بها آثار الجاهلية الأولى ، يرفعها ( الغيورون ) في وجه كل من أراد أن يخرج المرأة من قمقمهم ، وأن يفتح لها كوة تتنفس منها الصعداء !

فيقولون مثلا : أليس الله تعالى يقول (وقرن في بيوتكن) . فإن قلت : هذا خاص بنساء النبي صلى الله عليه وسلم ، قالوا : بل هو عام لكل النساء ، من باب أولى .

ولو أنصفوا لوجدوا في كتاب الله تعالى قوله ( واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم ، فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت ، أو يجعل الله لهن سبيلا) ويؤكده قول الحبيب صلى الله عليه وسلم بعد ذلك : خذوا عني . خذوا عني . قد جعل الله لهن سبيلا . البكر بالبكر جلد مائة ، ونفي سنة ، والثيب بالثيب ، جلد مائة والرجم . رواه مسلم .

فهذا في حق النساء الواقعات في الرذيلة ، المفسدات للدين والأخلاق ، وهو دليل على أن حبس النساء في البيوت عقوبة ، لا تكريم ؟ فليس الحبس لكل النساء ، بل لمن فعلت الفاحشة ، وليس كل امرأة ، لمجرد كونها امرأة تعاقب فتحبس في البيوت ، حتى يتوفاها الموت ، أو يجعل الله لها سبيلا .

إن كثيرين منا يعانون عقدا تبرز باسم الدين على الآخرين ؛ ليصدروا منها أحكاما تغلق عليهم منافذ الحياة الواسعة التي شرعها الإسلام .

ولعل سببا آخر ساهم في خلق مثل هذا الشعور تجاه المرأة، ألا وهو الإحساس المتأصل فيهم برغبة الآخرين في الانحراف الأخلاقي ، وشعورهم بموت ولا أقول ضعف الوازع الديني الذي يكف عن الوقوع فيما لا يرضي الله تبارك وتعالى .

وسبب آخر له صلة وثيقة بهذا وهو إحساسهم بالعجز عن التربية الإيمانية التي كان ينبغي أن تخالط شغاف القلب المسلم ، لتكون هي الرادع الأكبر عن الوقوع في المعصية ، وتنمي فيه مراقبة الله تعالى في كل حين .

كان هذا أجمل بنا من الوثوب من أول وهلة على عتبة التحريم في كل شيء لا يروق لنا ، ثم نذهب بعد ذلك لنعصر عقولنا التي لم تعتد على التفكير المنطقي ، علها أن تسعفنا بشيء يبرر لنا مواقفنا ، ويغطي جاهليتنا بالشرعية والغيرة !

ولقد وصلنا في باب ( سد الذرائع ) حدا من ( اللا معقول ) ، حتى بات الخوف من أن لا تستحي المرأة من المرأة ، أو أن نوقع المرأة التي تخجل في الحرج ، سببا للتحريم وعلة له ، حين أعيتنا الحيلة في إيجاد الدليل من الكتاب أو السنة .

فكم بررنا آراءنا ، فأدخلناها من هذا الباب الذي وسع كل مشكلة أعيانا حلها ، ولم نجد لها نصا من كتاب أو من سنة ، أو من قياس ، أو إجماع ، سوى ما فتح اليوم من باب سد الذرائع الذي ما بين مصراعيه أبعد مما بين مكة وهجر ، ولهذا عدنا إلى وأد البنات ، الذي عجزنا عنه حسيا ، فبادرنا إليه معنويا ، والله المستعان .

المصدر: جريدة الرياض

http://www.alriyadh.com/2011/01/17/article595384.html

الردود 2

الردود 2 على موضوع “فـوبـيا المـــــرأة !”

  1.  ابن المدينة المنورة

    الشيخ عادل الكلباني قارئ معروف وصوته ذو شجون وقد اختير منذ ثلاثة سنوات لامامة المصلين في التراويح في المسجد الحرام، ولكن-لمن لا يعلم- كانت فتاويه سببا مباشرا لصدور قرار خادم الحرمين الملك عبدالله بحصر الفتوى في هيئة كبار العلماء، أو من يرشح من قبلهم، ما عدا ذلك فاشترط أن تكون الفتوى بين السائل والمسئول..وطبعا كان القرار محل أخذ ورد..
    من ضمن فتاوي الشيخ (إباحة الغناء ولو مع الموسيقا أو المعازف)..
    أما عن هذا المقال فهو كلمة حق أتمنى ألا يكون أريد بها غير ذلك، فالشيخ كان إماما لمدة عشرين سنة لجامع الملك خالد في الرياض (وهو أكبر الجوامع فيها)، فما الذي تغير؟ وهو يعرف وضع المرأة السعودية جيدا بما يطول المجال لذكره..
    أتفق مع ما ذكره الشيخ الفاضل ولكني أسأل سؤالين:
    1- لماذا إذا تكلمنا وانتقدنا التشدد (وهذا مشروع) لا نتكلم عن الناحية المضادة وهي الانحلال والتحرر من كل القيود؟
    2- بالله عليكم: إذا قرأ شخص ما (صاحب هوى) هذا الكلام واقتنع به، هل سيهتم أولا بأمه الحنون وأخته العطوف وبنته الغالية وزوجته الحبيبة أم أنه سيبحث عن عشيقة فاتنة بحجة الانفتاحية؟ لماذا لا نتكلم عن حقوق الأمهات والأخوات مباشرة وعن حقوق الأرامل والمطلقات واليتيمات والمسنات؟ لماذا يعتبر البعض أن المرأة هي من يكون عمرها بين 14-50 سنة ولا يهتم بغير ذلك؟
    وأخيرا: في قضية عمل النساء لكاشيرات (وهنا أتكلم عن السعودية باعتبار أن الشيخ سعودي وكلامه كان موجه للمجتمع السعودي) تلك القضية التي ما زالت الصحافة السعودية تتكلم عنها، وقتها صدرت فتوى كبار العلماء بتحريم عمل المرأة بمهنة كاشير، وهنا أسأل المؤيدين: إذا كنتم تشجعون عمل المرأة فلماذا يضع أصحاب العمل شرط العمر والمظهر قبل الكفاءة؟ ثم إن هناك الاف من الشباب السعودي العاطل، فالأولوية تكون لمن؟
    الكلام يطول، مع ملحوظة مهمة جدا أن المكان والزمان لهما اعتبار في الشرع الحنيف، فبعض الامور (كقيادة المرأة للسيارة) طبيعية جدا في (سوريا) بينما لو سمح لها في (السعودية) فستكون هناك مفاسد لا يدركها إلا من عرف البيئة السعودية وشكرا

  2.  خالد حسن

    بارك الله بك اخي الكريم عادل ان نظرة شمولية لتعاليم الدين تعطي تفسير و شرح للمراة التي اكرمها الله بعرشه لكن الدعوات التي تطلق بإسم حرية المراة ما هي الا دعوة لاستغلالها و هذا الامر وضاح للعيان المطلوب تربية اجتماعية و دينية و معرفة حقوق المرأة و واجباتها و حسن استغلال علمها و ثقافتها في المجتمع . شكر لك

أضف رد